اللافت في هذه الضجة ليس مضمونها فقط، بل سرعتها. عناوين صاخبة، نقاشات حادة، ومقاطع قصيرة تختزل مراجعات علمية معقدة في رسائل مبسطة. وكما يحدث كثيراً في عالم التغذية، تتحول المراجعة المنهجية إلى يقين عام، ويدفع الناس إلى القفز من نقيض إلى نقيض، وكأن التغذية معركة بين «دهون منقذة» و«كربوهيدرات مذنبة». لكن التغذية مثل الطب، لا تعمل بهذا المنطق.
التغيير ليس دعوة مفتوحة للإكثار من اللحوم أو الدهون الحيوانية، بل محاولة لتقليل الاعتماد على أطعمة صناعية عالية المعالجة، غنية بالسكر والنشويات المكررة والزيوت المهدرجة. أي أن التركيز انتقل من «تقليل الدهون» إلى «تقليل التصنيع الغذائي». هذا فارق جوهري يفقد كثيراً من بريقه حين يختزل إلى عناوين مثيرة عن «عودة الدهون».
ما يحدث في أمريكا اليوم هو محاولة لمعالجة أزمة محددة في مجتمعهم، تتمثل في الانتشار الواسع للأطعمة فائقة المعالجة، وأنماط غذائية صناعية فقيرة بالألياف وغنية بالسكر والدهون المكررة. في هذا السياق، يصبح النقاش حول تقليل الاعتماد على الكربوهيدرات الصناعية أو إعادة النظر في بعض مصادر الدهون جزءاً من تصحيح مسار محلي، لا إعلان نموذج عالمي جديد. وهنا يبرز السؤال الأهم: هل يصلح هذا المسار لنا كما هو؟
في السعودية، الصورة مختلفة. فالتوصيات الوطنية الصادرة عن الهيئة العامة للغذاء والدواء ووزارة الصحة السعودية لا تنطلق من موجة غذائية عابرة، بل من مفهوم أشمل يُعرف بـ التوازن الغذائي البيئي. هذا المفهوم لا يستبدل تطرفاً بتطرف، ولا يشيطن عنصراً غذائياً بعينه، بل يبني نمطاً متوازناً يتماشى مع بيئتنا، ومناخنا، وواقعنا الصحي.
في الأدلة الوطنية، لا نجد دعوة للتوسع في الدهون الحيوانية، بل تأكيداً واضحاً على استبدال الدهون المشبعة بالدهون الصحية، وعلى رأسها زيت الزيتون. كما تحافظ هذه الأدلة على الحبوب الكاملة كمكوّن أساسي، ليس فقط للطاقة، بل كمصدر رئيسي للألياف التي تلعب دوراً محورياً في تنظيم سكر الدم وصحة القلب والجهاز الهضمي.
وعندما ننظر بواقعية إلى سياقنا المحلي، نفهم لماذا لا تناسبنا «الصرعات الغذائية» المستوردة. فمناخنا الحار، وأنماط حياتنا اليومية، تتطلب اهتماماً أكبر بالترطيب، والخضروات، والفواكه، والتوازن في توزيع المغذيات، لا الاعتماد على أنظمة عالية الكثافة البروتينية قد تزيد العبء الأيضي دون فائدة مؤكدة. كما أن الواقع الصحي في المملكة، مع ارتفاع معدلات السكري وارتفاع ضغط الدم، يفرض رقابة دقيقة على الكربوهيدرات المكررة والملح، وهي جوانب عالجتها الأدلة الوطنية بوضوح ودقة.
المشكلة الحقيقية ليست في مراجعة العلم، بل في تحويل التغذية إلى «ترند» أو «صرعة عالمية». فالصحة ليست وصفة عالمية تستنسخ، بل استجابة ذكية لبيئة الإنسان، وثقافته الغذائية، وأمراضه السائدة. وما قد يكون خطوة تصحيحية في مجتمع يعاني من الإفراط في التصنيع الغذائي، قد يتحول إلى خطأ إذا نقل دون فهم إلى مجتمع له سياق مختلف.
لهذا، فإن الحكمة لا تكمن في رفض الجديد ولا في الانبهار به، بل في قراءة هادئة تسأل: هل يخدم هذا المسار صحتنا فعلاً؟ الطبق الصحي السعودي، بتوازنه، وتقليله للملح، وتجنبه للسكر المضاف، واعتماده على الدهون الصحية، ليس خياراً محافظاً، بل خياراً مبنياً على فهم علمي وواقعي.
في التغذية، كما في الطب، ليست المشكلة في تغيير الرأي، بل في تغيير الاتجاه دون بوصلة!