ولو تأملنا ببساطة في حياتنا اليومية، سنجد أن كل المهارات التي نتفاخر بها، مثل الطلاقة في الحديث أو السرعة في القراءة، هي في الأصل عمليات «تذكر» سريعة جدًا؛ فنحن عندما نقرأ بطلاقة لا نتهجى الحروف، بل نستحضر صور الكلمات التي حفظناها سابقًا، وبرهان ذلك أننا «نتلكأ»، ونتلعثم فور رؤية كلمة غريبة لم تدخل ذاكرتنا من قبل أو لم تكرر على مشهدنا إلا نادرًا، وهذا يعني أن «الحفظ» هو الوقود الذي يجعل عقولنا تعمل بسرعة وسلاسة، وأن مهارات الفهم والتحليل التي نركز عليها في المدارس ليست بديلة للحفظ، بل هي «بوابات» ضرورية لنتأكد أن ما نحفظه دخل عقولنا بشكل صحيح ومرتب، وليس بشكل عشوائي، فالفهم يثبت المعلومة، والتطبيق ينقشها، والذاكرة تحفظها لتكون جاهزة وقت الحاجة.
وهذا المعنى الذي أراه عميقًا هو ما أدركه منهجنا الإسلامي العظيم منذ القرون الأولى، حين جعل «حفظ القرآن الكريم» في الصدور هو الأساس الأول لبناء الإنسان معرفيًا؛ فلم يكن الهدف مجرد ترديد للكلمات، بل كان بناء «رياضة ذهنية» قوية تصنع شخصية متزنة وصبورة؛ فالحافظ للقرآن يمتلك في داخله «مرجعية» ثابتة من القيم والأخلاق تحميه من التشتت، وهذا «الامتلاء الداخلي» هو الذي أعطى علماءنا الأوائل تلك القدرة العجيبة على الإبداع في الطب والفلك، لأن عقولهم كانت «مشبعة» بالأساسيات، فصار لديهم متسع للابتكار، عكس العقل «الفارغ» الذي يضيع وقته في البحث عن أبجديات الأمور.
لذا، فإننا نوجه دعوة صادقة لكل بيت ومدرسة وجامعة، أن يعيدوا الاعتبار لمهارة التذكر، وألا يخجلوا من المطالبة بالحفظ الواعي، بل يجب أن نجعله «رياضة يومية» لعقول أبنائنا، تمامًا كما نمرن عضلات أجسادهم؛ وعلينا أن نستخدم التقنية كمدرب يساعدنا على المراجعة والتذكير، لا بديلا يحل محل عقولنا فيسبب لها الضمور، نريد جيلاً يملك «السيادة» على علمه، يحمله في صدره أينما حل وارتحل، ليكون قادرًا بحق على عمارة الأرض وبناء المستقبل، مستندًا إلى ذاكرة حية، وعقل يقظ، وقلب واعٍ.