أثناء تصفحي لمنصة تيك توك، استوقفني بث مباشر لأحد من يعرّفون أنفسهم بالرقاة الشرعيين، دفعني الفضول إلى الدخول لدقائق، لكن ما شاهدته كان أبعد من الرقية الشرعية التي نعرفها؛ تشخيص للحالات على الهواء مباشرة، ومخاطبة الجن على زعمهم، وأسئلة شخصية تُطرح أمام عشرات المتابعين، وأحكام تُطلق بسرعة، وتعليقات تمتلئ بأشخاص يبحثون عن علاج لمعاناتهم.

أغلقت البث، وبقي سؤال واحد يرافقني: من يحمي المجتمع من باعة الوهم؟

القضية لا تتعلق بالرقية الشرعية، فهي ممارسة علاجية مشروعة من الطب النبوي، وإنما تتعلق بما يحدث في بعض بثوث تيك توك، حيث تحولت هذه الممارسة لدى البعض إلى محتوى رقمي يستقطب المشاهدات و(الشير) و(التكبيس)، ويمنح مدّعي العلاج بالرقية تأثيرًا مباشرًا في قرارات الناس الصحية والنفسية.


الأخطر أن كثيرًا ممن يدخلون هذه البثوث لا يبحثون عن الترفيه، وإنما عن مخرج من معاناة صحية أو نفسية أو أسرية، وبين رغبة صادقة في العلاج، ومحتوى يفتقد إلى الضوابط، قد يقتنع بعضهم بتشخيص لا يستند إلى أساس علمي أو شرعي منضبط، فيؤجل مراجعة الطبيب، أو يتوقف عن العلاج، أو يعيش قلقًا متزايدًا بسبب كلمات سمعها في بث مباشر.

في وقتٍ سابق بينت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خطورة استغلال الرقية بما يخالف المنهج الشرعي، وابتداع أفعال أو أقوال لم يثبت بها دليل شرعي، كاستحداث رقية معينة وتسميتها بأسماء ليس عليها دليل، أو الجزم بإصابة شخص بالسحر أو العين، وغير ذلك مما يخالف ما جاء في الكتاب والسنة.

ورغم وضوح هذا الموقف، لا تزال هذه البثوث تتكاثر على تيك توك، وهو ما يطرح تساؤلًا حول دور المركز الوطني للطب البديل والتكميلي الذي يُعنى بتنظيم مثل هذه الممارسات، وسبق أن حذر من العلاج عن بعد عبر بيان قرأته الشهر الماضي في عددٍ من الصحف، غير أن اتساع الظاهرة يستدعي الانتقال من مرحلة التحذير إلى مرحلة التنظيم الذي طال أمده ولم ير النور، بوضع ضوابط واضحة لممارسة الرقية الشرعية، بما يحفظ مكانتها ويمنع استغلالها لتحقيق الشهرة أو المكاسب المالية وبيع الوهم.

أما المركز الوطني لتعزيز الصحة النفسية فيأتي دوره مساندًا في هذا الجانب، فالمسألة لم تعد مجرد محتوى متداول عبر منصة تيك توك، وإنما قضية ترتبط بالصحة النفسية للمجتمع، فهذه البثوث قد تعزز الوهم، وتغذي القلق، وتدفع بعض الأشخاص إلى تفسير أعراضهم الصحية والنفسية بعيدًا عن التشخيص المهني، وهو ما قد يؤخر العلاج ويزيد من حجم المعاناة.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى مبادرات توعوية مستمرة يقودها المركز، بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، لرفع وعي المجتمع بمخاطر هذه الممارسات، وتوضيح آثارها النفسية، وتعزيز ثقافة اللجوء إلى المختصين المرخصين.

تحوّل التيك توك إلى مساحة تؤثر في قرارات الناس وقناعاتهم، ومع اتساع هذا التأثير تزداد أهمية التوعية والتنظيم، لحماية المجتمع من المحتوى الذي يستثمر معاناة الأفراد ويقدمها مادة لجذب المتابعين.

الرقية ممارسة مشروعة ومحفوظة بمكانتها، لكن حمايتها تبدأ بمنع استغلالها، وحماية المجتمع تبدأ بإغلاق الطريق أمام باعة الوهم، قبل أن يدفع المرضى ثمن كلمات قيلت في بث مباشر على تيك توك!