التكنولوجيا النووية والسلاح النووي ليسا جهازا أو ماكينة نشتريها من الدول التي تصنعها، بل هي تكوين علمي وفني ومجتمعي. وأقصد هنا بالمجتمعي تكوين تقاليد العمل وتأسيس قيم وقواعد التعامل وتأليف الوعي اللازم لدى العاملين سواء كان في الناحية العملية التشغيلية في إدراك وفهم المخاطر الصغيرة والكبيرة أو في القيم النفسية والصلاحيات وإناطة المسؤولية وقيمتها. فليس العمل في مؤسسة نووية كالعمل في دائرة مكتبية عادية، أو حتى مصنع للمتفجرات التقليدية، فخطر الوقوع في الخطأ لا يقارن.
إن تكوين قاعدة وطنية في البحث النووي له مستلزماته التعليمية والتأهيلية، وتكوين قاعدة في استخدام التكنولوجيا النووية له مستلزماته أيضًا وتلك أصعب، وتكوين قاعدة في الصناعة النووية أصعب كثيرًا. لكن هذه كلها أنشطة تتطلب الجهد والمال والوقت. وأهم ما فيها وجود الخطة العاملة الشاملة في تنسيق مراحل هذا المجهود وتوفر قيادة علمية متمكنة ومخلصة لأهدافها. العلم في هذا المجال في أغلبه متاح. لم تبق أسرار كثيرة اليوم. إذ تتوفر المصادر حتى التفصيلية في التكنولوجيا النووية. والاستعانة بالخبرات ممكن دومًا لكن الحكمة هي في اختيار الخبرة الأكثر نفعًا. إنما مربط الفرس عند المحور الذي تدور حوله تلك الأنشطة التي ترتقي بالاقتدار. وذلك هو قيادة تلك الأنشطة ومديريها.
السبيل إلى امتلاك التكنولوجيا النووية يمكن أن يحصل من خلال إنشاء مفاعلات حرارية تمد مولدات الطاقة الكهربائية بالبخار اللازم لتشغيلها. لكن هذا لا يكفي بالتأكيد، فلا بد من وجود قاعدة بحثية وقاعدة صناعية وقيادة علمية بمستوى عال تمتلك خبرة شمولية لجميع الفعاليات الداخلة في المشروع، عارفة بتداخلاتها وترابطاتها ومعوقاتها، قادرة على ابتكار أساليب لحل المعضلات العلمية والفنية التي تواجهها.
السلاح النووي اليوم هو سلاح ردع وليس للاستخدام الفعلي، لكن تعاظم الأخطار العالمية يجعل من الضروري التفكير بامتلاكه في مواجهة التغول ولتعزيز الثقة الوطنية. وبالتأكيد يتطلب استخدام السلاح النووي حكمة بالغة، ولا يصلح أن يكون في يد عقليات عقائدية متزمتة وقيادات تحمل في داخلها أحقادًا تاريخية انتقامية وأطماعًا توسعية وهيمنة على الآخرين. لذلك يتوجب اتخاذ الخطوات اللازمة على هذا السبيل. فالخطر الذي يأتي من مثل هذه الأنظمة يدفع الدول التي تخضع للتهديد للتوجه إلى امتلاك سلاح ردع مقابل بالضرورة. وما تشهده المنطقة من عدوان إيراني غير مبرر على المملكة وعلى دول الخليج يجعلها لا تطمئن إلى المستقبل. وهذا ما يدعوها بالضرورة إلى الاحتياط لنفسها ومواطنيها.
ما من شك أن هنالك مصاعب أمنية وسياسية وقيودًا تقف عائقًا أمام امتلاك السلاح النووي وضغوطًا وربما ابتزاز بشكل أو بآخر، لكن الخبرة والحكمة في إدارة مراحل الوصول إلى الهدف وتوفر السياسة الصحيحة لإدارة الأنشطة بكل مستوياتها سيكون بالتأكيد عونًا لتجاوز تلك العقبات.
* أستاذ الفيزياء جامعة ليدز/ بريطانيا