وشهدت مناطق شمال وشرق بوركينا فاسو خلال الأيام الأخيرة سلسلة هجمات منسقة نفذتها «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، الموالية لتنظيم القاعدة، وأسفرت عن سقوط أكثر من 130 قتيلاً بين جنود ومدنيين ومقاتلين محليين موالين للجيش.
وكان أبرز هذه العمليات الهجوم على ثكنة عسكرية في مدينة تيتاو شمال غربي البلاد في 15 فبراير، حيث أعلن التنظيم مقتل عشرات الجنود خلال الهجوم. وفي اليوم ذاته، قُتل نحو عشرة مدنيين بينهم سبعة تجار من غانا. كما استهدف مقاتلو التنظيم عناصر جهاز المياه والغابات في منطقة تانجاري شرق البلاد، ما أدى إلى مقتل نحو خمسين عنصراً في واحدة من أكثر الضربات دموية خلال الفترة الأخيرة.
ويرى محللون أن تزامن عدة هجمات كبيرة خلال فترة زمنية قصيرة يشير إلى مستوى متقدم من التنسيق العملياتي داخل التنظيم، بما يعكس قدرة متزايدة على التخطيط وتنفيذ العمليات المركبة.
وتشير تقارير صادرة عن مجلس الأمن الدولي إلى أن وتيرة هجمات تنظيم القاعدة كانت قد تراجعت نسبياً في سبتمبر 2025، بعد أن أعاد التنظيم نشر جزء من مقاتليه في مالي المجاورة، حيث ركز جهوده على فرض حصار غير مباشر على العاصمة باماكو ومنع إمدادات الوقود عنها.
وبحسب محللين في منظمات متخصصة في رصد النزاعات، فإن العمليات في مالي ظلت تمثل أولوية إستراتيجية للتنظيم خلال الأشهر الماضية، غير أن ذلك لم يؤد إلى توقف الهجمات في بوركينا فاسو، بل إلى إعادة توزيع للموارد القتالية بين الجبهتين.
وتركزت الهجمات الأخيرة في منطقتين إستراتيجيتين تمثلان أهمية كبيرة للتنظيم. الأولى شمال البلاد، التي تشكل ممراً حيوياً يربط الجماعات المسلحة بقياداتها في مالي، والثانية شرق بوركينا فاسو حيث تمتد مجمعات غابية واسعة على الحدود مع النيجر وبنين.
وتوفر هذه الغابات ملاذاً طبيعياً للمقاتلين، كما تمنحهم مصادر تمويل إضافية عبر السيطرة على مواقع التنقيب الأهلي عن الذهب والتجارة غير المشروعة في الأخشاب. ويرى خبراء أن هذه البيئة الجغرافية المعقدة تمنح التنظيم قدرة أكبر على الحركة والمناورة بعيداً عن الضربات الجوية.
ويرجح باحثون أن يكون التصعيد الحالي مرتبطاً بنمط متكرر لدى التنظيمات المتشددة يتمثل في تكثيف العمليات قبل وخلال شهر رمضان. كما يسهم الموسم الجاف في تسهيل التحركات الميدانية، حيث يجف العديد من مجاري الأنهار وتتراجع الأمطار، ما يسمح بتنفيذ عمليات واسعة النطاق بسرعة أكبر.
ويشير محللون إلى أن الهجوم على منطقة تانجاري القريبة من العاصمة الإقليمية فادا نغورما يعكس اتساع هامش الحركة الذي اكتسبته الجماعات المسلحة في شرق البلاد خلال السنوات الأخيرة.
في ظل هذا التصعيد، يواجه جيش بوركينا فاسو تحدياً متزايداً في الحد من الخسائر البشرية رغم تأكيده تحسن قدراته العسكرية. وكان الجيش قد أعلن مؤخراً أنه يسيطر على نحو 74 في المائة من أراضي البلاد، مشيراً إلى استعادة نحو 600 قرية من قبضة الجماعات المسلحة.
لكن تقارير دولية تشير إلى أن تنظيم القاعدة عين مؤخراً قائداً جديداً في شرق البلاد يدعى سيكو مسلمو، مكلفاً بتوسيع نشاط التنظيم نحو بنين وغانا وكوت ديفوار والنيجر وتوغو، في خطوة تعكس تحول التهديد من نطاق محلي إلى بعد إقليمي أوسع يمتد نحو دول خليج غينيا.
ويرى خبراء أن هذا التوسع لا يهدف بالضرورة إلى السيطرة الكاملة على هذه الدول، بل إلى إنشاء مناطق خلفية آمنة تسمح للتنظيم بإعادة الانتشار وتخفيف الضغط العسكري في منطقة الساحل.