تزايدت شكاوى السائقات في جدة من ممارسات غش يتعرضن لها في بعض ورش صيانة السيارات، حيث تعمد تلك الورش إلى استبدال قطع الغيار الأصلية التي تحضرها كعميلة، بقطع تجارية أقل جودة دون علمها.

وبات هذا الـ«غش الصريح»، مصدر قلق متزايد، خصوصًا في ظل ارتفاع أسعار قطع الغيار الأصلية، وحرص بعض السائقات على شرائها بأنفسهن لضمان جودتها وسلامة المركبة.

وتشير روايات متضررين إلى أن ورشا تستغل قلة خبرة بعض العملاء – خاصة النساء – بالتفاصيل الفنية للسيارات، ما يجعلهن أكثر عرضة لمثل هذه الممارسات.


وبينما يعتقد كثير من العملاء أنهم اتخذوا الاحتياطات اللازمة بشراء القطع الأصلية من مصادر موثوقة، يفاجأ بعضهم لاحقًا أن القطعة التي تم تركيبها في سيارته ليست هي التي اشتراها بنفسه وسلمها للورشة.

تجربة صادمة

تروي «أم ناصر»، وهي سيدة من جدة، تجربتها مع ورشة لصيانة السيارات، وتقول «تعرضت لغش أثناء تركيب قطعة غيار كنت قد اشتريتها بنفسي. القطعة أصلية وخاصة بنظام الفرامل من أحد المتاجر المعروفة، وذلك بناءً على نصيحة قريب شدد على أهمية استخدام القطع الأصلية لتجنب الأعطال والمخاطر».

وأضافت «دفعت مبلغًا مرتفعًا نسبيًا مقابل القطعة، خصوصا أنها تتعلق بسلامة السيارة التي أعتمد عليها يوميا في تنقلاتي مع أطفالي».

وتضيف «توجهت بعد ذلك إلى ورشة في أحد أحياء جدة لتركيب القطعة، وتركت السيارة لدى الفنيين بعض الوقت قبل أن أعود لاستلامها، ولكن بعد نحو أسبوعين من الاستخدام، بدأت ألاحظ أن أداء الفرامل لم يعد طبيعيًا كما كان سابقًا. اعتقدت بدايةً أن الأمر بسيط، وربما يحتاج إلى ضبط بسيط، لكني قررت في النهاية التوجه إلى ورشة أخرى لفحص السيارة».

وتتابع «فوجئت عندما أخبرني الفني أن القطعة المركبة ليست أصلية، وشعرت بصدمة، فقد كنت متأكدة أنني قمت بكل الخطوات الصحيحة لتجنب الغش، لكنني اكتشفت أن القطعة الأصلية ربما تم استبدالها بأخرى تجارية دون علمي».

حالات متكررة

حالة أم ناصر لم تكن فردية، إذ يروي «أبو فهد»، وهو مالك سيارة من جدة، تجربة مشابهة تعرض لها قبل أشهر، ويقول «اشتريت قطعة أصلية خاصة بنظام الفرامل من الوكيل المعتمد، بكلفة مرتفعة نسبيًا، ثم توجهت إلى ورشة لتركيبها. وبعد فترة قصيرة من الاستخدام، لاحظت تراجع أداء الفرامل بشكل غير معتاد، فذهبت إلى ورشة أخرى، فأخبرني الفني أن القطعة المركبة تجارية وليست أصلية. عندها أدركت أن القطعة التي اشتريتها ربما تم استبدالها بأخرى أقل جودة أثناء التركيب».

ويشير إلى أن كثيرًا من العملاء يفضلون شراء قطع الغيار بأنفسهم من الوكيل أو من متاجر موثوقة، ثم يتوجهون بها إلى الورش لتركيبها، اعتقادًا منهم أن ذلك سيجنبهم الوقوع ضحية لقطع مقلدة أو تجارية، إلا أن المفاجأة تأتي لاحقًا عندما يكتشفون أن القطعة التي حرصوا على شرائها استبدلت بأخرى أقل جودة.

أسباب الظاهرة

يعتقد فني صيانة السيارات حمود أدهم، أن هذه الممارسات موجودة في بعض ورش الصيانة التي تفتقر إلى الرقابة المهنية أو الضمير المهني، وأوضح «الدافع الرئيس لهذا السلوك هو الطمع بتحقيق أرباح إضافية، حيث تستبدل بعض الورش القطعة الأصلية بقطعة تجارية أقل تكلفة، وتحتفظ بالأصلية لبيعها لاحقًا، أو استخدامها لعميل آخر».

وتابع «تستغل بعض الورش عدم معرفة العميل بالتفاصيل الفنية للسيارة. فالعميل يسلم القطعة ويغادر الورشة أو يجلس في غرفة الانتظار، وخلال التركيب قد يتم استبدالها بقطعة مشابهة في الشكل لكنها أقل جودة. وإذا لم يكن العميل متابعًا للعملية أو لديه خبرة فنية، فمن الصعب عليه اكتشاف ذلك».

مخاطر تتجاوز المال

يجزم مسؤول السلامة ثامر البدر، أن خطورة هذه الممارسات لا تقتصر على الجانب المالي فقط، بل تمتد إلى مخاطر فنية قد تؤثر بشكل مباشر في سلامة المركبة وقائدها، ويوضح «القطع التجارية تكون أقل جودة أو ذات عمر افتراضي أقصر، ما قد يؤدي إلى أعطال متكررة أو ضعف في أداء السيارة».

وأضاف «هناك قطع حساسة في السيارة مثل الفرامل، والمساعدات، وأجزاء نظام التعليق أو مكونات المحرك. هذه القطع يجب أن تكون مطابقة للمواصفات القياسية، واستبدالها بقطع منخفضة الجودة قد يؤدي إلى ضعف الأداء أو زيادة احتمالية الأعطال المفاجئة، وقد يصل الأمر في بعض الحالات إلى التسبب بحوادث مرورية».

تشديد الرقابة

في ظل تزايد الشكاوى، طالبت سائقات بضرورة تكثيف الرقابة على ورش صيانة السيارات، والتأكد من التزامها بالممارسات المهنية الصحيحة، إضافة إلى فرض عقوبات رادعة على الورش التي يثبت تورطها في عمليات غش أو تلاعب بقطع الغيار.

كما يرى مختصون أن تعزيز وعي العملاء، وخاصة النساء، يعد جزءًا مهمًا من الحل، من خلال متابعة عملية تركيب القطع قدر الإمكان، أو الاحتفاظ بعلبة القطعة الأصلية، أو حتى تصوير القطعة قبل تسليمها للورشة للتأكد من تركيبها لاحقًا.

نصائح للمستهلكين

ينصح بعض أصحاب الورش مالكات المركبات بعدم الاكتفاء بتسليم القطع ومغادرة الورشة، بل يفضل البقاء ومتابعة عملية التركيب إن أمكن. كما يمكن طلب إعادة القطع القديمة بعد استبدالها للتأكد من أن العمل تم بالشكل الصحيح.

كذلك ينصح بالتعامل مع ورش معروفة وذات سمعة جيدة، حتى وإن كانت تكلفة الخدمة فيها أعلى قليلًا، لأن ذلك قد يوفر على العميل كثيرًا من الخسائر والمشكلات في المستقبل.

وفي ظل توسع سوق صيانة السيارات وزيادة عدد الورش في المدن الكبرى، تبقى الثقة بين العميل والفني عنصرًا أساسيًا في نجاح هذه العلاقة. إلا أن استمرار بعض الممارسات غير المهنية قد يدفع كثيرًا من العملاء إلى البحث عن خيارات أكثر موثوقية، أو التوجه إلى مراكز الصيانة المعتمدة رغم ارتفاع تكلفتها، حفاظًا على سياراتهم وسلامتهم.