لكن قصص البطولات لا تقتصر فقط على الخيال، فحولنا ينتشر أشخاص عاديون، لكنهم يتحولون في لحظات إلى أبطال، تحركهم إنسانيتهم، وامتلاكهم الكفاءة في سرعة التصرف، والقدرة على اتخاذ القرارات الصعبة في اللحظات الحرجة، حتى وإن كان ذلك على حساب تعريض حيواتهم للخطر لإنقاذ شخص آخر.
وقد قدم مواطنون سعوديون عدة نماذج جسدت معنى البطولة، دون قدرات خارقة، وتحولوا إلى أبطال حقيقيين في أعين كثيرين.
ويوضح الدكتور بشير عبدالله (أخصائي علم النفس السريري) أنه عند وقوع موقف خطر، يمر الدماغ البشري بسلسلة معقدة من العمليات العصبية والنفسية التي تحدد مسار رد الفعل: هل سيكون فعلا (Action)، أم تجمدا (Freezing)، أم هروبا (Flight)؟
ما يفعله «الأبطال العاديون» هو نتاج تفاعل فريد بين عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية.
مواقف بطولية
في عدد من المناطق السعودية، برزت مواقف إنسانية جسّدت مفهوم «الأبطال العاديين»، حيث تمكن ممدوح الحربي، من منطقة حائل، من إنقاذ طفل كاد أن يغرق في حفرة مائية، في حادثة وثقها مقطع متداول على منصات التواصل الاجتماعي، أظهر سرعة تدخله خلال ثوانٍ حاسمة.
وأكد الحربي في تصريحات إعلامية لاحقة أن ما قام به كان تصرفا فطريا لا يستحق عليه الإشادة، مشيرا إلى أن ذلك من فضل الله، إذ كان خارجا من البقالة وكان يتصفح هاتفه، قبل أن ينتبه للطفل في لحظة حرجة ويبادر إلى إنقاذه.
وفي موقف آخر، برز اسم سلطان الحربي، الذي أسهم في إنقاذ الطفلة السودانية العنود الطريفي إثر حادث مروري مأساوي في منطقة القصيم، حيث بادر، برفقة رجل أمن، إلى تقديم المساعدة الفورية في لحظة حرجة. وقد حظي بتكريم رسمي من أمير منطقة القصيم الأمير فيصل بن مشعل، تقديرا لموقفه الإنساني، في مشهد يعكس تقدير القيادة لمثل هذه المبادرات، فيما لاقت الطفلة رعاية واهتماما واسعين. كما نقلت وسائل إعلام زيارة أمير المنطقة لها، مؤكدا «جميعكم في أعين الملك سلمان وولي العهد والشعب السعودي».
وفي حادثة مؤلمة بالجوف، برز اسم عبدالسلام الشراري، بعد أن أنقذ ست معلمات إثر اندلاع حريق في الحافلة التي كانت تقلهن، حيث بادر إلى كسر الزجاج الخلفي للحافلة وتمكن من إخراجهن واحدة تلو الأخرى في لحظة حرجة.
وروى الشراري في تصريح متداول تفاصيل الموقف، مشيرا إلى أن إحدى المعلمات كانت تستغيث قائلة: «تكفى لا تخلي النار تأكلني»، ليرد عليها مطمئنا: «والله ما تأكلك»، قبل أن ينجح في إنقاذها.
وقد حظي الشراري بتكريم من وزير التعليم يوسف البنيان تقديرا لشجاعته وموقفه الإنساني، فيما خرجت المعلمات بحالة جيدة، بينما أصيب الشراري بإصابة في يده نتيجة كسر الزجاج.
وفي موقف إنساني آخر، برز اسم ليلى مجرشي، بعد أن أسهمت في إنقاذ أسرة من حادث مروري كاد أن يكون مأساويا في منطقة جازان، حيث بادرت بالتدخل في لحظة حرجة وقدمت المساعدة اللازمة لتجنب تفاقم الحادث. وقد حظيت بتكريم رسمي من أمير منطقة جازان الأمير محمد بن عبدالعزيز بن محمد آل سعود، تقديرا لموقفها البطولي، في خطوة تعكس الاهتمام بتكريم النماذج الإنسانية في المجتمع.
لماذا يبادرون
في مثل هذه المواقف، يتبادر سؤال: لماذا يتحرك البعض فورا، بينما يتردد آخرون أو يتجمدون؟
ويجيب الدكتور بشير أنه «من الناحية الطبية العصبية، يلعب الجهاز الحوفي، وخاصة اللوزة الدماغية (Amygdala)، دورا رئيسا في معالجة الخطر. إذ يحدث «التجمد» عندما تغمر اللوزة الدماغية الجسم بهرمونات التوتر، مثل الكورتيزول والأدرينالين، بشكل يؤدي إلى ما يُعرف بـ«فرط التحميل»، وهو ما يسبب شللا مؤقتا في اتخاذ القرار».
في المقابل، يتمكن بعض الأفراد من التحرك فورا، نتيجة ما يعرف بـ«التثبيط الأمامي» (Prefrontal Inhibition) الأسرع، حيث تعمل قشرة الفص الجبهي، المسؤولة عن التخطيط واتخاذ القرار، على تهدئة استجابة الخوف بسرعة، وتحويل هرمونات التوتر إلى طاقة فعلية بدلا من أن تتحول إلى ذهول.
كما تلعب العصبونات المرآتية (Mirror Neurons) دورا مهما في هذا السياق، إذ تدفع بعض الأشخاص إلى محاكاة فعل الإنقاذ بشكل تلقائي عند رؤية شخص في محنة، وكأن الدماغ يعيش المعاناة ذاتها، فيندفع لتخفيفها.
أما فيما يتعلق بطبيعة هذا السلوك، هل هو رد فعل تلقائي أم قرار واع؟ فيمكن القول إنه مزيج من الاثنين؛ إذ تكون المرحلة الأولى تلقائية، حيث يحدث الاندفاع الأولي، كالقفز في الماء أو التوجه نحو الخطر، في أجزاء من الثانية، مدفوعا باستجابة فطرية. ثم تليها مرحلة واعية، يبدأ فيها الشخص بتقييم الموقف وتنظيم عملية الإنقاذ، ككيفية إخراج المصاب وتجنب الخطر على نفسه.
يمكن القول إن هؤلاء الأبطال يجسدون أرقى درجات الإنسانية، حيث يتحولون في لحظة خطر من «مواطن عادي» إلى «غريزة إنقاذ» بوعي أو دون وعي، حاملين قيم مجتمعهم وإنسانيتهم المشتركة.