في مشهدٍ جيوسياسيّ تزدحم وقائعُه بوتيرة تتجاوز قدرة العقل على الاستيعاب، وتتشابك فيه المصالح الوطنية والإقليمية في عُقَدٍ يستعصي حلُّها، لم يعد التوتر بين الدول وشعوبها مجرد عارض عابر يُفسر بانفعال لحظي أو سوء تقدير مؤقت. بل إننا اليوم إزاء نموذجٍ متطور من الصراع غير المتماثل، صراعٍ تدور رحاه في ميادين الوعي، حيث تتحول المعلومة سلاحًا فتاكًا، والكلمة قذيفة موجهة، والشاشة ساحة حرب عابرة للحدود والسيادات.

وهذا الصراع لا يُشنُّ بالدبابات، ولا ترسم حدوده بالخرائط التقليدية، بل تُدارُ عبر هواتف ذكية، وحساباتٍ أغلبها وهمية، وخوارزميات لا ترحم. إننا أمام هندسة شاملة للإدراك، حيث يُراد للمواطن العربي أن يتحول من مجرد متلقٍ للخبر إلى هدفٍ مرصود، ومن ناقلٍ عفوي للمعلومة إلى حلقة مركزية في سلسلة تضخيم مُمَنهجة، يضخ فيها من حيث لا يدري سمومًا لا يُدرك مآلاتها ولا أبعاد غاياتها، والتي تكمن بالآتي:

أولًا: التشريح الإستراتيجي: يقظة الوعي: كيف تُصنع الفتنة؟ من منظور تحليل العمليات المعلوماتية، لا يمكن اختزال مصدر الفتنة في طرف واحد أو جهة بعينها؛ فالمشهد أكثر تعقيدًا، إننا أمام منظومة متكاملة تتلاقى فيه دوائر تأثير مُبرمجة متكاملة تبدأ من غرف التفكير الإستراتيجية التي تتولى بناء رواية الفتنة ورصد نقاط الضعف، ثم تنتقل إلى منصات إعلامية موجهة تعمل على صياغة الرسالة وتقديمها في صورة مقبولة وربما عبر وجوه مألوفة تضفي عليها قدرًا من الشرعية. بعد ذلك تتكفل شبكات الحسابات الرقمية المنظمة والوهمية بتضخيم المحتوى ونشره على نطاق واسع، مع رصد دقيق لردود الجمهور لاستخلاص أنماط التأثير. بيدَ أن الحلقة الأشد خطرًا غالبًا ما تتمثل في التفاعلات الشعبية غير المنضبطة، حيث يندفع الأفراد بحسن نية، أو بدافع الحماسة لمشاركة تلك الروايات وتعزيز حضورها، دون إدراك أنهم أصبحوا جزءًا من الفتنة؛ لتتحول السردية من فكرة مصنوعة إلى واقع متداول يُؤثر في الوعي العام. قد تبدأ القصة بكلمة على وسائل التواصل أو موقفٍ سياسي أو حدث عابر أو حتى اختلاف طبيعي في المواقف، تُعاد هندسة الوقائع عبر إستراتيجيات مُمَنهجة ومُغرضة، تتوسّل بآلياتٍ تضليليةٍ بالغة الدقة، منها:


- الانتقاء الجائر: ويقوم على تسليط الضوء على جزءٍ يسيرٍ من الواقع وإخفاء أركانه الأخرى، لخلق مشهدٍ مشوهٍ يخدم أجندتهم

- الاجتزاء السياقي: اقتباس كلمات خارج سياقها الزمني والمكاني، مما يقلب المعنى رأسًا على عقب.

- المغالطة الزمنية: من خلال إحياء وقائع غابرة وتقديمها في لحظة حساسة، كأنها حدث جديد. وهي من أخطر ما يُستخدم في العمليات النفسية؛ لقدرتها الفائقة على استغلال فجوات الذاكرة الجمعية.

- التأطير العاطفي المُنحاز: صبغ الوقائع بدلالات دينية، أو قومية، أو طائفية مُتطرفة؛ لتحويل أي نقاش سياسي قابل للاحتواء إلى صراع وجودي لا يقبل المساومة ولا التنازل. بهذه الأدوات وغيرها التي لا تختلف كثيرًا عما تُدرسه كليات الحرب النفسية، وتتحول الواقعة العابرة من مجرد خبر إلى رواية معبأة، قادرة على اختراق الوعي الجمعي وإثارة الشك والريبة في وقت قياسي.

ثانيًا: الهدف الإستراتيجي: ما وراء الجدل؟ الغاية من هذه العمليات، إنَّ المآرب الحقيقية الكامنة خلف هذه العمليات الممنهجة لا تقف عند حدود الفوز بنقاشٍ عابر أو كسب تأييدٍ لموقفٍ بعينه؛ بل إنَّ الهدف الأبعد يضرب في صميم الوجود، ويرتكزُ على ثلاث ركائز (تفكيك الثقة بين الشعوب - إرباك الإدراك الجمعي وإعادة تشكيلة بما يضر صالح الأوطان - استنزاف الطاقات في معارك جانبية) وهذا وغيره يعمل على إضعاف جسور الثقة بين الدول، فيهدر ركائز المصير المشترك والقوة المهابة بعد أن أهمل الأبعاد الحضارية والتاريخية والارتباط الإستراتيجي بيننا؛ فبعض الدول تمثل عمقًا إستراتيجيًّا وثقلًا سياسيًّا لبعضها الآخر. واستقرار العلاقات ليس خيارًا ثانويًا، بل عنصرًا أساسيًّا لأي توازن إقليمي متماسك. وأي تشويه للصورة أو تضخيم للخلافات يمنح الآخر يداً وقوة للإضعاف.

ومن ناحية الأمن السيبراني، فلابد أن ندرك أننا تجاوزنا- مع الأسف - مرحلة (مجرد نقل الخبر الكاذب) إلى عصر المحتوى فائق الإقناع، عالي الدقة مع كونه بالأساس مُزيفا وكذبًا. وتتجلى أخطر مستويات التأثير الرقمي في خوارزميات التوصية التي تتحكم فيما يراه ويبثه رعاة الفتنة؛ إذ تدفع بالمحتوى المثير للانفعال إلى الواجهة، وتُسَرّع انتشاره، مما يضخّم الروايات المُرجفة، وتظل تنفخ في هذا وتكرر حتى يعيد تشكيل الإدراك الجمعي ويقرر الباطل على أنه حق؛ ولذلك يُعد هذا المستوى بالغ الخطورة. ويليه مستوى يتمثل في تقنيات التزييف العميق، حيث تُنتَج فيديوهات وتسجيلات صوتية بهندسةٍ بالغة التعقيد تُحاكي شخصيات عامة بصورة تقنع المتلقي بوقائع لم تحدث قط، لتروج لإرجافها.

تليها شبكات الحسابات المنسقة التي تعمل بأنماط موحدة لتضخيم اتجاهات معينة وإظهارها كأنها رأي عام طبيعي، وهو مستوى عالٍ من حيث التأثير. كما يندرج ضمن المستوى ذاته توظيف الذكاء الاصطناعي في إنتاج كميات هائلة من المحتوى بجودة بشرية تضاهي الصنيع البشري، بما يخلق بيئة رقمية مشوشة يصعب فيها التمييز بين الحقيقة والتوجيه، ليبقى هذا أيضًا في نطاق التهديد العالي. وليست هذه فرضيات نظرية. بل تقارير صادرة عن جهات دولية متخصصة، منها مركز التحليل الإستراتيجي لحلف شمال الأطلسي (NATO StratCom) والهيئة الأوروبية للشؤون الخارجية (EEAS)، ومؤسسة RAND Corporation. حيث توثق هذه التقارير عشرات النماذج لعمليات معلوماتية في المنطقة العربية، تستهدف تحديدًا زرع الشك وتقويض الثقة بين الدول والشعوب. هذه العمليات ليست مجرد استفزازات عابرة؛ بل برامج منهجية ذات ميزانيات وخطط واضحة.

ثالثًا: الدليل السلوكي بوصفه الخريطة الذهنية للجمهور. فمن منظور تحليل السلوك الرقمي والهندسة النفسية، ثمّةَ ثغرات بنيوية في التكوين الإنساني تجعل الفرد عُرضة للاستدراجِ المعلوماتي، ومن أخطر هذه الثغرات أنَّ الانفعال يسبق التحقق؛ إذ تؤكد الدراسات النفسية أنَّ المحتوى المشحون بمشاعر الغضب، أو الخوف يتفشى بسرعة تزيد بستة أضعاف عن المحتوى المحايد أو الإيجابي. إنَّ هذا الاندفاع ليس عجزًا إدراكيًا، بل هو نتاج آلية بقاء تطورية غُرست في الوعيِ البشري قديمًا، بيدَ أنها تُوظف اليوم كأداةٍ لاختراق عقولِنا وتوجيه مواقفنا.

ومن هذه الثغرات أيضًا: التحيز التأكيدي؛ إذ يميل الفرد بفطرته إلى التسليم بكل ما يعضد قناعاته المسبقة، مُقصيًا في الوقت ذاته كل ما يُفنّدُها. هذه الآلية الذهنية تدفع المستخدم لتبني أي محتوى يتواءم مع انتماءاته الأيديولوجية أو السياسية، حتى وإنْ صدر عن منصات مجهولة أو مصادر وهمية.

ويضاف إلى ذلك: عقلية القطيع؛ وهي نزعة جبلية تدفع الأفراد لمحاكاة الجماعة والانسياق خلفها دون تمحيص، طلبًا للأمان النفسي أو رغبة في القبول الاجتماعي. فحينما يرى المستخدم وسمًا (هاشتاق) متصدرًا، أو تفاعلاً مليونيًا، يتولد لديه وهم الإجماع؛ فينجرف خلفه مأخوذًا بيقين زائف أنه على صواب. هذه الديناميكية هي التي تستحيل بفعلها الوسوم العابرة إلى حقائق مطلقة لا تقبل التفنيد. وهنا يتحول المستخدم - بحسن نية تارة، وبدافع الحماسة، أو الجهل تارة أخرى - إلى حلقة في سلسلة الانتشار؛ ليسهم بوعي أو دون وعي إلى الأخبار المُزيفة.

رابعًا: القراءة المسؤولة: انطلاقًا من الموقع الإستراتيجي للمملكة وثقلها الإقليمي والدولي، وإدراكًا من شعبها الواعي فإننا تتعامل مع هذه الأمور بأسس ثابتة:

• الاعتدال كمنهج في التعامل مع الخلافات.

• دعم الاستقرار كأولوية قصوى.

• تعزيز الشراكات كخيار إستراتيجي لا تراجع عنه.

هذا النهج لا يعني غياب التباينات في الرؤى حول بعض الملفات؛ فالخلاف في الرأي ظاهرة صحية في أي علاقة بين الدول. لكن المهم هو وضع هذه التباينات ضمن إطار إدارة المصالح، وليس تحويلها إلى سرديات صراع وجودي. وعليه؛ فإن أي محتوى - أيا كان مصدره - دفع باتجاه تأليب الشعوب، أو تعميم الاتهام، أو تعطيل فرص الحوار، يتعارض موضوعيًا مع روح هذا النهج. والأهم: أنه يخدم - سواء بقصد أو بغير قصد - أجندات التفكيك التي لا تريد لهذه المنطقة أن تتنفس بحرية.

في الأخير – من واقع تخصصنا في التحليل اللساني علينا أن نعي أنَّ رحى المعركة تُدار في العقول، وأنَّ النصر حليف من يمتلك زمام وعيه ويتحكم في سرديته. فالفتنة لا تستمد قوتها من ذكاء صانعيها فحسب، بل من هشاشة المناعة الفكرية لدى المتلقي. وكما يهزم الجسد القوي الفيروسات، يصمد الوعي النقدي أمام أعنف الحملات الممنهجة. فالفضاء الرقمي ليس ساحة مستباحة، بل هو ميدان معركة شرسة، الغلبة فيها لمن يمتلك أدوات التحليل قبل دوافع الانفعال.

وأبناء المملكة – ولله الحمد – يدركون أن المعركة اليوم ليست على الأرض فحسب، فتلك معركة شرعية تخوضها الجيوش بل المعركة الأعمق هي داخل العقول، فمن ملك وعيه ملك قراره، وحين يُحسن الأفراد إدارة انتباههم، ويمارسون التثبت قبل التصديق، ويتساءلون قبل أن يشاركوا، تتحول محاولات الاستدراج إلى مجرد ضجيج عابر، وتبقى جسور الثقة أقوى من كل سردية مصطنعة.