جلستُ يوماً ما أنتظر طلبي في أحد المطاعم، وما هي إلا لحظات حتى أقبل النادل يحمل صحنًا ممتلئ بأربعة أرغفة ساخنة، فاستوقفته قائلًا: أنا هنا وحيدًا، ولم يكن في طلبي ما يستوجب كل هذا الخبز، فضلًا عن أنني بطبعي أُقلّل من استهلاك خبز القمح، فأجابني ببساطة مفزعة: هذه عادة المطعم مع كل زبون، ثم انصرف مسرعًا، تاركًا إياي في مواجهة تلك الأرغفة، وما تحمله من دلالات مع تساؤلاتي.

في تلك اللحظة، استدعت الذاكرة مشهدًا مغايرًا تمامًا؛ ففي مطعم عربي بعاصمة الضباب والنظام، برلين، جلستُ ذات يوم مع صديق نتقاسم صحن حمص نستفتح به وجبة الغداء، فأتانا النادل برغيفين صغيرين لا غير. وحين طلب صديقي المزيد، جاء الرد صارمًا هادئًا: حين تنتهي مما بين يديك، أحضرتُ لك غيره. جملةٌ قصيرة، لكنها تنطوي عن فلسفة راسخة في التعامل مع الموارد، إلا وهي "لا تأخذ أكثر مما تحتاج"!

بين هذين المشهدين يتجلى التناقض الصارخ في ثقافة الاستهلاك؛ فالهدر لا يجد له تفسيرًا مقنعًا إلا في أحد أمرين: إما أن التكلفة المتدنية لهذه المواد جعلت من التبذير أمرًا مستساغًا في حسابات التشغيل، أو أن الغياب الرقابي من قِبل الجهات المعنية، بلديةً كانت أم هيئات بيئية، فتح الباب على مصراعيه أمام ثقافة الإسراف دون رادع.


وحين يمضي الفكر إلى الوراء، تطفو على السطح صور من زمن كانت فيه للخبز قيمة أخرى؛ إذ كنتُ أجوب حواري مكة المكرمة مع والدي -رحمه الله وأسكنه فسيح جناته- نلتمس بقايا الخبز المُجفَّف ممن يبيعونه، لا لشيء إلا ليكون علفًا للأغنام. كان الخبز يومها لا يُهان ولا يُرمى، بل يُصان حتى في آخر صوره.

غير أن الهدر لا يقف عند حدود الأرغفة؛ إذ تمتد ظاهرته لتشمل أعراسنا وولائمنا، حيث تُذبح الذبائح، وتُكدّس صحون الأرز بكميات تفوق الحاجة أضعافًا مضاعفة، في استعراض اجتماعي يخلط بين الكرم الحقيقي والتبذير المقنّع. وكأن الكرم قد أُفرغ من معناه الأصيل القائم على العطاء الواعي، ليتحول إلى إسراف جماعي مُقنَّع بالعادات والأعراف.

وفي هذا السياق، تتردد في الذاكرة مقولة ألمانية بليغة تقول: «المال مالك، لكن الموارد للجميع»، فما يستهلكه الفرد أو المؤسسة من موارد الطبيعة ليس شأنًا خاصًا، بل هو أمانة مشتركة يتحمل مسؤوليتها الفرد والمجتمع على حدٍّ سواء.

ما يجري في مطاعمنا وولائمنا ليس مجرد هدر اقتصادي، بل هو مؤشر اجتماعي خطير يكشف فجوة حقيقية في الوعي الذاتي بقيمة الموارد، وفجوة مؤسسية في منظومة الرقابة والمحاسبة. إن الموارد لا تتجدد بالتمني، والبيئة لا تتحمل الإهدار إلى ما لا نهاية.

من هنا تأتي الدعوة صريحة وملحّة، على الجهات الرقابية المعنية أن تضطلع بدورها الحقيقي في وضع معايير واضحة للحد من الهدر الغذائي في المطاعم والفعاليات، وأن تُحوّل الكرم من ثقافة الإسراف إلى ثقافة الحكمة، قبل أن يعلمنا شح الموارد ما عجزنا عن تعلّمه من وفرة النعم.