تستيقظ. وقبل أن تفتح عينيك، تفتح هاتفك. أول ما تراه ليس الشمس، بل قائمة مهام. لم تكتبها أنت، كتبها لك الخوف. «استيقظ قبلهم. تفوق عليهم. كن نسخة أفضل». صار السرير ساحة معركة، والغطاء عدوا يجب أن تقذفه بعيدا، لأن «الناجحين لا ينامون» حسب تعاليم كتب تطوير الذات. تشرب قهوتك لا لتستيقظ، بل لتؤدي طقس الولاء لمعبد الإنتاجية. رشفة أولى، وأنت تهمس لنفسك تعويذة الصباح: «اليوم سأكون أفضل».هذا المشهد لم يعد فرديا. صار وباء ثقافيا. جيل كامل يعيش تحت سياط وهم اسمه «تطوير الذات».

البداية كانت بريئة. كتب تطوير الذات أقنعتنا أن الخلل فينا، وأن الحل أيضا فينا. فكرة مغرية: أنت المسؤول الوحيد. لكن الصناعة التي تلت هذه الكتب نقلت الفكرة إلى مستوى أخطر. أقنعتك أن إصلاح هذا الخلل هو وظيفتك اليومية، غير مدفوعة الأجر، مدى الحياة. تتصفح مواقع التواصل، لا بحثا عن خبر، بل عن دليل إدانة. رجل في الثلاثين يملك شركة، وامرأة في العشرين تتحدث خمس لغات، وطفل يبرمج ويحفظ القرآن. وفي كل صورة، صفعة غير مرئية: «انظر، كلهم سبقوك». فتهرع إلى دفتر ملاحظاتك، تكتب خطة جديدة، جدولا جديدا، «نسخة جديدة مني». تسميها «خطة التغيير الجذري»، وهي في الحقيقة وصفة جديدة لجلد الذات. تذهب إلى عملك. لكنك لا تعمل فقط، أنت «تبني إمبراطوريتك».

صار الراتب إهانة، والوظيفة قفصا، والعادي جريمة. يجب أن يكون لديك «بزنس جانبي»، و«براند شخصي». صار طموحك لا ينبع منك، بل يُحقن فيك كل يوم عبر ألف مقطع: «إذا كنت لا تستيقظ متوترا، فأنت لا تحلم بما يكفي». تعود إلى البيت منهكا. لكن لا يحق لك أن تنهار. يجب أن «تستثمر في نفسك». تفتح يوتيوب، لا لتضحك، بل لتتعلم «كيف تضاعف إنتاجيتك». تشاهد رجلا يخبرك أن مشكلتك في «الدوبامين»، وأن حزنك لأنك «لا تستحم بماء بارد». فتشعر بالذنب لأنك استحممت بماء دافئ. صار الاستحمام مشروعا، والنوم إستراتيجية، والأكل «وقودا». لم نعد نأكل لنتلذذ، بل لنحسب السعرات التي ستجعلنا «آلة».


سرقوا منا المتعة، وأعطونا مكانها «الانضباط». واستبدلوا كلمة «حياة» بكلمة «أداء».

الخطر الأكبر كان في تسلل هذه العقلية إلى بيوتنا. تجلس مع أهلك. جسدك معهم، وعقلك في حرب. يحدثك أبوك عن ذكرياته، فتفتح هاتفك لتكتب فكرة خطرت لك. تحدثك أمك عن تعبها، فتقاطعها لتخبرها عن «أهمية الامتنان» الذي قرأته صباحا. صرنا لايف كوتش في بيوتنا، نوزع المواعظ التي نستهلكها، ونجلد أحبتنا بسياط «التفكير الإيجابي».

لم نعد نستمع لنفهم، بل لنصلح. لم نعد نحضن لنشعر، بل لنطبق «قوة الآن». نقلتنا كتب تطوير الذات من عفوية القرب إلى هندسة التواصل وصار الحب هدفا مرحليا والصداقة تقاطع مصالح والعفوية «خروجا عن الخطة». حتى النوم لم يسلم. لم يعد نوما، بل «مرحلة تعاف» يجب أن «تُحسّنها». لكن شيئا ما بدأ يتصدع. صوت خافت تحت ضجيج المنبهات والـ«تحديات» يقول:

«ماذا لو لم أكن مشروعا متعثرا، بل إنسان متعب؟». وهنا، يولد الجيل الذي لم يعد يشتري. هؤلاء هم أبناء كتب تطوير الذات الذين قرأوها حتى حفظوها، ثم كشفوها حتى كرهوها. دفعوا عمرا في «تطوير الذات» ليكتشفوا أن الذات كانت بخير، لكنها كانت محاصرة. استيقظوا الخامسة صباحا، فلم يجدوا الشمس، وجدوا الإرهاق فقط. حفظوا «العادات الذرية»، فتفتتوا إلى ذرات. اليوم يعلنون العصيان. العصيان على فكرة «أفضل نسخة». سيحتضنون النسخة المرهقة التي تريد أن تنام حتى الظهر بلا ذنب. هذا الجيل يريد استعادة الكلمات المسروقة. «الرضا» سيعود فضيلة، لا تهمة. «العادي» سيعود مقاما كريما، لا شتيمة. «الفشل» سيعود تجربة بشرية، لا «محتوى» نبيعه بعد النجاة. «الحزن» سيعود حقا، لا خللا في «التفكير». «البيت» سيعود سكنا، لا مقر شركة. «الصمت» سيعود فراغا مقدسا، لا «جلسة تأمل مدفوعة». إنهم يعودون إلى «أخلاق الكهف». صاحب الكهف لم يكن يصور فأسه من أجل اللايكات. كان يستخدمه ليبقى. لم يكن يقيس «إنتاجيته» بعدد الوحوش التي قتلها. كان يفرح لأنه عاد حيا. لم يكن لديه رؤية مستقبلية لنفسه. كان لديه خبز اليوم، ودفء النار، وطفل ينام بجواره. وكان ذلك كافيا.