نتطرق في مقالنا إلى أم اللّجان، لجنة المراجعة، التي تنبثق من مجالس الإدارات أو مجالس الأمناء، على أن يكون نصف أعضائها من المستقلين الذين لا تنطبق عليهم أيا من عوارض الاستقلال، بمن فيهم رئيس اللجنة، وعلى أن يكون من بينهم على الأقل عضو لديه المعرفة والخبرة الكافية في الأمور المحاسبية والمالية.
وحتى تكون لدينا لجنة مراجعة فعّالة، ينبغي أن نحرص عند تكوينها على وجود شخصيات قيادية، فهي لجنة حساسة، وأدوارها حرجة، وتحتاج إلى شخصيات قوية وقادرة على تحدي الإدارة التنفيذية، والمجلس، أيضا، في بعض الأحيان، داعمة جديا لذراعها الرئيسة، وهي إدارة المراجعة الداخلية، وممكنة لرئيس الإدارة من أداء مهامه، ومحاسبته في تقصيره، بل وحتى جرأتها في عزله حال ثبوت تواطؤ مع الإدارة التنفيذية، وإخفاء حقائق جوهرية عن اللجنة.
وبين أن يكون رئيس المراجعة التنفيذي مستشارا موثوقا للإدارة التنفيذية أو متواطئا معها شعرة معاوية، لا يفطن لها إلا لجنة مراجعة واعية، أمينة، ونزيهة!
في بحور المراجعة الداخلية، توجد لجان تكتفي بسؤال شفهي، وقبول الرد بالطريقة نفسها، حتى في الأمور الحساسة والحرجة، مثل قضايا شبهات الفساد.
وحتى يطمئن قلب اللجنة بعد السؤال ورده الشفهيين، يؤكد رئيسهم قائلا: «أكيد؟»، فيرد الطرف المقابل: «آه والله».
كما أنه لم يسبق لها الاطلاع على أي من تقارير المراجعة الداخلية الصادرة، بل تكتفي بعرض رئيس الإدارة عرضا تقديميا منشأ من برنامج الـ«باوربوينت»، ثم تعقب بعد العرض: «يعطيكم العافية ماقصرتوا.. ملاحظات جيدة وتفصيلية... إلخ». ونوجه السؤال الفيصل لهم: «ماذا عن اختبار نزاهة؟ من عينتموه أخيرا؟» لمعرفة هل هو تكانة أم لا؟!
وفي المقابل، توجد لجان دقيقة وعميقة في عملها، نقاشها وطرحها، بل إن بعض اللجان تسحب صلاحية رئيس المراجعة التنفيذي في إصدار تقارير المراجعة الداخلية النهائية لأصحاب المصلحة داخليا، حتى يتم العرض على اللجنة، وأخذ التوجيه وفقا للمعطيات والحالة، حتى يتمكن رئيس الإدارة من إصدار التقرير (كإجراء مؤقت له أهداف بعيدة المدى، وحساسة للغاية).
كما أن هذه اللجان توزع أعضاء اللجنة، ليجتمعوا عن بُعد مع فرق المراجعة الداخلية كنوع من التدريب، والتوجيه للمسار المنشود في مرحلة معينة، ثم تقاس المخرجات لاحقا، وهلمّ جره.
وهنا، قد يعتقد القارئ الكريم أن مثل هذا التوجه من اللجان ينمّ عن تفرغ أعضائه، فليس ذلك بالاستنتاج المطلق، حيث إن كثيرا منهم مازالوا يشغرون مناصب قيادية رفيعة المستوى، ولكن إن دل هذا دل على قوة رئيس اللجنة، وتمكنه من قيادة قيادات، وهنا تتجسد النزاهة في أبهى صورها.
ولعل السمة الفارقة بين فئة التمثيل وفئة التأثير هو النهم والطمع في جمع عدد كبير من عضويات اللجان، حيث إننا نجد أن غالبية فئة التمثيل هم من أصحاب عدد عضويات جنوني، بينما فئة التأثير لديهم عدد معقول من عضويات اللجان، وبالتالي يحققون ما قاله رسول الأمة صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه»، وهي قاعدة الجودة والنزاهة الصلبة المتينة.
وبالطبع، ما سبق ينطبق على الشركات غير المدرجة، حيث إن هيئة السوق المالية تمنع الجمع بين أكثر من خمس عضويات لجان مراجعة في الوقت نفسه، وذلك فقط للشركات المدرجة.
ولقياس أثر لجان المراجعة، هناك طرق عدة، من بينها تقريرهم السنوي عن فاعلية نظام الرقابة الداخلية، ومقارنته بالقوائم المالية المعلنة، فشتان ما بين كليشة منتشرة تفيد بأن النظام يعمل بكفاءة، ولا يوجد أي قصور جوهري، بينما الشركة تتجه نحو الهاوية في طريقها للإفلاس، وخير دليل قوائمها المالية، وبين تقرير يوضح كوارث داخل أروقة المنظمة ومجالس إدارتها، ويرفع الراية الحمراء!
لعلي آخذكم في جولة سريعة عبر إعلان لشركة الكابلات السعودية (2110) في 2 – مايو – 2023، عن استقالة عضوين من لجنة المراجعة كانا قد تجرآ على الإفصاح عن السبب الحقيقي، وهو «عدم قدرة الشركة ماليًا على استقطاب كوادر بشرية، لتقوم بأعمال أساسية تخضع لنطاق لجنة المراجعة»، ويوجد غيره العديد من الأمثلة والأسباب المتنوعة الحقيقية، في ظل وجود تذييل الاستقالة بجملة «لأسباب شخصية»، أيضا.
لجنة المراجعة تعلب دورا محوريا في تعزيز الحوكمة من خلال ضمان استقلالية المراجعة الدخلية، قولا وفعلا، ومن خلال ضمان نزاهة مخرجات البيانات عبر ضمان فاعلية وكفاءة بيئة الرقابة الداخلية، وذلك لتحقيق الاستدامة.
فاختر لنفسك أيّما الموقعين أردت عندما تهم بالموافقة على عرض عمل تحت ظل لجنة مراجعة، أو عندما ترشح لعضوية لجنة مراجعة، بين أن تكون ممثلا أو مؤثرا.