أعترف أنني لم أعد أفهم شيئا. كل بضعة أشهر يخرج علينا أحدهم ليخبرنا أن الطعام الذي أكله أجدادنا لقرون طويلة كان مؤامرة كبرى. ثم يخرج آخر ليخبرنا أن الطعام الذي حذرنا منه الأطباء لعقود هو سر الصحة المفقود. ثم يأتي ثالث ليعلن – بنبرة المنتصر الذي اكتشف سر الحياة – أن المشكلة كلها كانت في الطماطم أو الباذنجان أو الخبز أو الحليب أو الأرز أو البقدونس.

خصوصا البقدونس. لا أعرف لماذا أشعر أن البقدونس مظلوم في هذه المعارك الفكرية. المسكين قضى عمره داخل السلطات العربية في هدوء وأدب، ثم استيقظ ذات صباح ليجد نفسه متهما أو بطلا أو معجزة علاجية بحسب آخر فيديو شاهده الناس على هواتفهم. ولو قُدر للخضروات أن تتحدث، لخرج البقدونس في مؤتمر صحفي مرتبك وقال:

«يا جماعة... أنا مجرد بقدونس!»


لكن أحدا لا يسمع البقدونس. الجميع منشغلون بالحقيقة الكبرى. أو ما يظنونه الحقيقة الكبرى.

حين ظهر الجدل حول «الطيبات» لم أفكر كثيرا في النظام الغذائي فأنا أعرف نفسي جيدا. لو أخبرني أحدهم أن سر الصحة يكمن في تناول البروكلي يوميا فسوف أستمع إليه باحترام.. ثم أطلب شاورما. كنت أتابع هذا الترند – أقصد «الطيبات» لضياء العوضي رحمه الله – كما يتابع رجل متقاعد مشاجرة بين جارين من شرفة منزله. في البداية بدافع الفضول. ثم بدافع الحيرة ثم بدافع القلق ولم يكن القلق بسبب النظام الغذائي نفسه. كان بسبب آخر. شيء أعمق وأكثر إزعاجا. كنت أتساءل:

كيف يحدث هذا؟ كيف تنتشر فكرة بهذه السرعة؟ كيف تتحول خلال فترة قصيرة إلى موضوع يومي في المجالس والمقاهي ووسائل التواصل؟ كيف يجد الناس طريقهم إليها بهذه السهولة؟

والحقيقة أن السؤال بدا غريبا حتى بالنسبة لي. فنحن تربينا على فكرة معاكسة تماما. تعلمنا أن المجتمعات تتمسك بما تعرفه. وأن الأفكار الجديدة تواجه مقاومة. وأن التغيير بطيء. وأن الناس يحبون المألوف.

لكن ما كنت أراه أمامي كان يقول شيئا مختلفا. كأن الناس لا يتمسكون دائما بما اعتادوا.

أحيانا يميلون إلى ما يمنحهم أملا جديدا.

لذلك سألت الدكتور عبدالله الغذامي. وكان جوابه غريبا في البداية. قال إن هذا ليس أول ما يحدث. ولن يكون الأخير. وذكر من ادعوا النبوة. ومن سلبوا أموال الناس. ومن قادوا الشباب إلى الهلاك.

في البداية ظننت أنه ابتعد عن الموضوع. ثم فهمت أنه اقترب منه أكثر مما فعلت أنا. كنت أبحث عن تفسير لظاهرة محددة، أما هو فكان ينظر إلى نمط بشري متكرر عبر التاريخ.

الطيبات ليست الحدث. الحدث الحقيقي هو الإنسان. هذا الكائن الذي يقضي حياته باحثا عن معنى. ثم يقضي نصفها الآخر باحثا عمن يمنحه هذا المعنى جاهزا.

عدت إليه بسؤال آخر. قلت:

هل القبول حقيقي أصلا؟ أم أننا نعيش داخل فقاعة إعلامية تجعل الظواهر تبدو أكبر من حجمها؟

فأجاب:

«كلنا ضحايا قبول من نوع ما».

وأعترف أنني لم أحب الجواب. لأنه أصابني شخصيا. كنت أبحث عن المنخدعين في الخارج.

فاكتشفت أن الرجل يشير إلى الداخل. إلى تلك المنطقة المظلمة داخل كل واحد منا. المنطقة التي نحب فيها أشياء دون سبب واضح. ونثق بأشخاص أكثر مما ينبغي. وندافع عن أفكار لم نراجعها منذ سنوات. ونتعامل مع بعض القناعات كما لو كانت جزءا من هويتنا وليست مجرد آراء.

ثم سألت السؤال الذي بدا لي الأكثر أهمية. إذا كانت الفكرة صادرة من طبيب، فهل نحن أمام تضليل؟ أم أمام مراجعة فكرية؟ وهنا جاءت إجابته صادمة:

«هذا من نوع الأفكار المتطرفة وذلك حين تبلغ القناعة الذاتية أقصى درجاتها. في الدين وفي السياسة وفي العلم كذلك حتى في الحب والكره».

توقفت طويلا عند كلمة «العلم» لأننا تعودنا أن نضع التطرف في مكان بعيد. في السياسة. في الجماعات المغلقة. في الأخبار المزعجة. لكن الغذامي كان يتحدث عن شيء آخر. عن لحظة نفسية! اللحظة التي يكبر فيها اليقين أكثر مما ينبغي. حتى يصبح أكبر من الحقيقة نفسها.

تذكرت حينها أن أعظم الإنجازات البشرية ولدت من الشك وليس من اليقين. نيوتن شك واينشتاين شك وابن الهيثم شك وكل عالم حقيقي بدأ من سؤال. أما الكوارث الفكرية فغالبا بدأت من جواب نهائي مكتمل لا يحتاج إلى مراجعة ولا يقبل النقاش ولا يحب الأسئلة.

في النهاية لم تعد «الطيبات» تهمني كثيرا. فغدا ستأتي فكرة أخرى. وبعدها أخرى. وسيتغير الاسم. وسيتغير الشعار. وسيتغير الأبطال. لكن الإنسان سيبقى هو الإنسان. وسيظل يبحث عن يقين يريحه من عناء الشك. وسيبقى هناك دائما من يعده بذلك.

أما أنا.. فما زلت أفكر في سؤال صغير لم أجد له جوابا بعد. إذا كان كل المنخدعين في التاريخ كانوا مقتنعين أنهم على صواب.. وإذا كان كل أصحاب اليقين كانوا يملكون من الأدلة ما يكفي لإقناع أنفسهم.. فكيف يعرف الإنسان أن الفكرة التي يدافع عنها اليوم هي قناعة تستحق الاحترام.. وليست مجرد وهم جديد لم يكتشفه بعد؟

لا أعرف.

وربما كانت المشكلة كلها تبدأ من هذه العبارة بالذات:

لا أعرف.