وهكذا يلاحظ أن الموروث الشعبي، ليس مجرد ذكريات عابرة لصور من الماضي، بل هو مخزون إنساني، وثقافي زاخر بالدلالات، والإيحاءات. فمن ربوع الريف الهادئة، إلى الديرة بأزقتها، وفضاءاتها المفتوحة، ومن الدواوين العامرة بأحاديث الألفة، والمحبة، إلى التعاليل، التي طالما كانت تجمع الناس على دفء التواصل الإنساني، تتشكل منظومة متكاملة من القيم، والعادات، والمشاعر، التي أسهمت في بناء الشخصية الاجتماعية، وترسيخ معاني الانتماء، ونقاء الهوية.
ولا ريب أن استلهامات وجدانية عميقة، تنبثق من تراكم هذا الموروث، وتستمد وهج حضورها من غواية المكان، وصدق الإنسان، وبساطة الحياة. فالريف لم يكن مجرد مساحة جغرافية، وربوع شاخصة، بل هو فضاء إنساني رحب، تنمو فيه العلاقات على الفطرة، وتتجذر فيه قيم التكافل، والتسامح، والوفاء، حيث تبقى ذكريات النشأة الأولى، وما ارتبط بها من تفاصيل البيئة الريفية، حاضرة في الذاكرة، مهما توالى الزمان، وتغيرت الظروف.
وهكذا يفرض الموروث الشعبي حضوره في الوجدان الجمعي، رغم التحديات الكبيرة التي فرضتها موجات التحديث المتلاحقة. فمع كل ما حملته العصرنة من منجزات وإيجابيات، يظل الإنسان بحاجة إلى تجليات ذلك الخيط الخفي، الذي يربطه بجذور النشأة الأولى، وخلفية موروثها، ويمنحه الشعور بالاستمرار، وحضور أصالة الهوية.
ولذلك يمكن القول إن التطور الحقيقي، لا يعني القطيعة مع الماضي، وإنما القدرة على التواصل الإيجابي معه، والبناء عليه، بوصفه ركيزة من ركائز الحاضر، والتطلع للمستقبل.
على أن الولع بالريف، والتفاعل مع موروثه الشعبي، ليس انحيازا عاطفيا إلى الماضي، بقدر ما هو احتفاء بالأصالة، واستحضار للقيم الإنسانية، التي أفرزتها التجارب المتعاقبة للأجيال. ولذلك يظل هذا الموروث حاضرا في الوجدان، عصيا على النسيان، مهما قست تداعيات صخب العصرنة، وتسارعت إيقاعات تطور الحياة العصرية.
ويبقى الموروث الشعبي الريفي، بما يحمله من نقاء، وعفوية، ودفء إنساني، ملهما دائما للذاكرة، والخيال، وملمحا أصيلا من ملامح أصالة الهوية، حيث تظل جذور الانتماء، أعمق من أن تقتلعها رياح التغيير مهما كانت عاتية، الأمر الذي يمنح الأصالة، قدرة عالية على البقاء، والتجدد.