وهنا لا تكمن الغرابة في قدرته على إقناع الآخرين فحسب، وإنما في قدرته على إقناع ذاته، إذ يتحول التبرير مع الوقت إلى قناعة، وتغدو الرواية المنتقاة حقيقة مكتملة في نظر صاحبها، ومن هذه المساحة الملتبسة بين ما حدث فعلا، وما يرويه الإنسان لنفسه، تنشأ واحدة من أكثر المفارقات الإنسانية تكرارا: أن يظلم المرء، ثم يتظلم
ليس الأمر مجرد تناقض ظاهري، وإنما هو انكشاف لطبيعة بشرية معقدة، قد تُتقن تبرير ذاتها حتى تؤمن بروايتها الخاصة، فالظالم في هذا السياق لا يرى فعله ظلما، وإنما يراه ردّا، أو استحقاقا، أو دفاعا عن حق متخيل، وهنا تبدأ المفارقة الحقيقية: حين يفقد الإنسان القدرة على رؤية موضعه الأخلاقي، فيتقمص دور الضحية وهو في الأصل مصدر الأذى.
وتزداد الصورة تعقيدا حين يصبح الإنسان أسير ما يسمعه عن نفسه، فمن يبالغ في تصديق إطراء الناس وثنائهم، قد يبدأ برؤية ذاته من خلال عيون الآخرين لا من خلال ميزان الحقيقة. ومع الوقت، يتحول المديح إلى رؤية مشوهة، تُضخم صورة الذات وتُسكت صوت المراجعة الداخلية، فيغدو الإنسان مقتنعا بأنه لا يخطئ، أو أن خطأه لا يقارن بغيره، حتى لو كان في جوهره يمارس ذات ما ينتقده.
هذه الحالة ليست نادرة في الواقع الإنساني، تتكرر في العلاقات، وفي المجتمعات، وحتى في التاريخ، كم من خلاف تضخم لأن أحد أطرافه لم يرَ إلا صورته التي يحب، وكم من قطيعة ولدت لأن الاعتراف بالخطأ كان أثقل من الاستمرار في دور الضحية، وهكذا يتحول الميزان من عدلٍ وظلم إلى روايات متقابلة، كل طرف فيها يملك "حقيقته" الخاصة.
ويكشف هذا المعنى عن خطورة خداع النفس حين يسيطر على طريقة التفكير ويتحكم في الرؤية، فكلما ازداد الإنسان اقتناعا بصورته الممدوحة، اقترب من أن يفقد قدرته على المحاسبة الصادقة، عندها لا يعود التظلم طلبا للعدالة، وإنما يتحول إلى وسيلة لإعادة صياغة الواقع بما يخدم شعوره، ولو كان ذلك على حساب الحقيقة.
لكن المعنى الأعمق لا يهدف إلى الإدانة بقدر ما يهدف إلى التنبيه: أن أعدل ما يملكه الإنسان هو بصيرته على نفسه، لا ما يُقال عنه، فمن استطاع أن يرى موضعه دون زينة الرواية الداخلية أو بهرجة المديح الخارجي، نجا من هذا التناقض، ومن العجب الذي قيل فيه: «ومن العجائب ظالم يتظلم».
وهكذا يبقى السؤال معلقا: كيف يتحول الإنسان من طالب للعدل إلى صانع للظلم، ثم إلى الشكوى منه، وهو يظن في كل ذلك أنه على صواب؟
ليس الخطر في أن يُخطئ الإنسان، وإنما في أن يجد من يُصفق له وهو في ذروة خطئه، فيعتاد الوهم على أنه حقيقة، فيفقد وضوحه مع نفسه.