لم تكن المعرفة عنده معلومة تُعرف، بل قدرة تُستعمل.
شيئا يُبقيه حيا، لا شيئا يمنحه شعورا مؤقتا بالذكاء.
كان يعرف مواسم المطر ويقرأ الريح كما نقرأ نحن إشعارات الهاتف. إذا أخطأ في تفسير أثر حيوان على التراب، جاع. وإذا أخطأ في تمييز عشبة، مات. المعرفة آنذاك لم تكن ترفا ثقافيا، بل مسألة نجاة. فهو لا «يعلم» فحسب، بل يعيش بسبب ما يعلم.
كانت المعرفة آنذاك عملياتية تنبثق من الحاجة، وتعود إليها.
أما اليوم، فنحن نعيش في سيل لا ينتهي من المعلومات.
نستيقظ صباحا على أخبار الحروب والانهيارات الاقتصادية وذوبان الجليد وارتفاع نسب الاكتئاب، ثم نغلق الهاتف لنبحث عن فيديو قصير يخفف التوتر الذي سببته الأخبار نفسها. صرنا نستهلك الكوارث كما نستهلك الموسيقى. تمر المأساة أمامنا في شاشة بحجم الكف، ثم نمر نحن بعدها إلى وصفة طعام، ثم إلى إعلان عطر، ثم إلى مقطع مضحك. كل شيء متجاور داخل المستطيل نفسه؛ المجاعة والنكتة، الموت والإعلان، الفلسفة وتخفيضات نهاية الأسبوع.
وهكذا لم تعد المشكلة نقص المعرفة، بل تضخمها.
بيد أن الكثرة لم تُنتج القدرة، بل ربما أضعفتها.
وثمة فرق هائل بين أن «تعرف» وأن «تستطيع». الإنسان الحديث يعرف أشياء تفوق ما عرفه فلاسفة العصور كلها مجتمعة، لكنه يشعر بعجز داخلي غامض، كأن المعرفة تتراكم في رأسه دون أن تتحول إلى قوة. يعرف أن النوم المتأخر يدمّره، لكنه يواصل السهر. يعرف أن هاتفه يسرق انتباهه وعمره قطعة قطعة لكنه يعود إليه كل خمس دقائق. يعرف أن القلق يفتك بروحه، وأن المقارنة تستنزفه، وأن الاستهلاك لا يشبع الفراغ الداخلي... لكنه يظل يدور في الدائرة نفسها.
كأن المعرفة الحديثة فقدت وظيفتها القديمة. لم تعد تُغيّر طريقة عيشنا، بل فقط طريقة حديثنا عن الحياة.
صار الإنسان يخلط بين الوعي والفعل. يقرأ مقالا عن الفقر، فيشعر أنه أسهم في حله. يشاهد وثائقيا عن البيئة، فيحس أنه أنقذ الغابات. يشارك منشورا سياسيا، فينام مرتاح الضمير، كأن إعادة النشر شكل من أشكال البطولة.
ولعل أخطر ما فعلته وفرة المعلومات أنها منحتنا «وهم التأثير». مجرد معرفتك بالمشكلة يمنحك شعورا نفسيا خادعا بأنك اقتربت من حلها، بينما الواقع لم يتغير قيد أنملة.
لقد فقدت المعرفة شيئا جوهريا في رحلتها الطويلة: قدرتها على التحول إلى حكمة.
الحكمة ليست أن تعرف كثيرا، بل أن تعرف ما الذي يستحق أن يدخل قلبك أصلا.
أن تملك من الوعي ما يكفي لتغير عادة صغيرة، لا أن تحفظ ألف حقيقة لا تمس حياتك. أن تتحول الفكرة داخلك إلى سلوك، لا إلى منشور. إلى قرار، لا إلى نقاش طويل ينتهي بلا أثر.
لكن عصرنا لا يمنح العقل وقتا للهضم. كل معلومة تزاحمها أخرى قبل أن تستقر. كل فكرة تدفن تحت سيل متواصل من الأخبار والتنبيهات والمقاطع.
حتى القراءة نفسها أصابها هذا التلوث. كثيرون لا يقرؤون ليفهموا، بل ليشعروا أنهم أذكى. يجمعون الاقتباسات كما يجمع الأطفال اللعب. يكدسون الكتب على الرفوف كما تكدس المتاجر البضائع خلف الزجاج. المعرفة تحولت أحيانا إلى زينة ذهنية... قطعة ديكور راقية داخل الشخصية.
ولعل السؤال الحقيقي لم يعد: كيف نعرف أكثر؟
بل: كيف نستعيد العلاقة القديمة بين المعرفة والحياة؟
كيف تصبح الفكرة سلوكا؟ وكيف تتحول الحقيقة إلى قرار؟ وكيف نمنع عقولنا من التحول إلى مخازن ممتلئة بأشياء لا تُستخدم؟
المأساة ليست أن نجهل العالم... بل أن نفهمه جيدا، ثم نواصل العيش بالطريقة نفسها.