في إحدى الليالي الشتوية الأوروبية الباردة، عدت من زيارة لأحد البرلمانات الأوروبية دعاني إليها صديق أوروبي هناك. وقد بدت لي الفكرة مغرية جدا، فليس كل يوم تتاح للمرء فرصة زيارة مصانع الديمقراطية الأم والتعرف على مهندسيها عن قرب. لكن يا فرحة ما تمت. عدت إلى المنزل وأنا أحمل حنينا كبيرا إلى ديمقراطيتنا اليمنية الفريدة من نوعها.

ومن شدة الحنين، قررت أن أمارس الديمقراطية منزليا فور عودتي، فاعترضت لأول مرة على بروتوكول تحضير العشاء بنفسي. والحق يقال، كانت زوجتي منفتحة وديمقراطية إلى أبعد حد، فلم تعترض أبدا، بل قالت بابتسامة لطيفة: «خذ راحتك». وكانت تجربة ديمقراطية رائعة، لدرجة أنني وجدت نفسي أردد لا إراديا: «والله اشتقنا يا ديمقراطية». ثم نمت بعدها جائعا.

وقبل أن أنام، وجدت نفسي أفكر في حال المواطن الأوروبي المسكين. يعمل طوال الشهر، ثم يأتي موظف الضرائب ليقصقص من راتبه ما يكفي ليجعله بالكاد قادرا على الطيران. ومع ذلك لا يعترض كثيرا، بل يذهب يوم الانتخابات ليدلي بصوته مجانا. مجانا بالكامل. لا بدل مواصلات، ولا وجبة غداء، ولا حتى أناشيد وطنية. وربما بسبب صرامة ديمقراطيتهم التي تجبرهم كل فترة على حفظ اسم مرشح جديد، بعكسنا نحن في اليمن، حيث كانت الديمقراطية أكثر رحمة بالمواطن. فمن نحفظ اسمه، يحفظه أيضا أبناؤنا وأحفادنا.


ولو أنني صارحت الرجل بما كنا نحظى به في مواسمنا الديمقراطية من رفاهية، لما جاءه النوم هو الآخر. ففي ديمقراطيتنا اليمنية كانت السلطة أكثر كرما واهتماما بمواطنيها. تأتي الحافلات إلى الحارات، ويبدأ تحميل المواطنين بالجملة، بينما تتصاعد الأناشيد الوطنية من السماعات وكأن البلاد على وشك فتح الأندلس، لا في صدد جولة انتخابية.

ثم نذهب لنبيع أصواتنا بكل شفافية للسلطة نفسها، ليس من باب الرشوة السياسية والعياذ بالله، بل لتصبح أكثر صدقا حين تتولى بعد ذلك مهمة التحدث باسمنا تحت مسمى «صوت الشعب».

وفي آخر المطاف، لا شيء أهم من المصداقية بين البائع والمشتري.

أما المواطن الأوروبي المسكين، فيذهب إلى مركز الاقتراع على نفقته الخاصة، ويدلي بصوته مجانا، ثم يعود إلى منزله مجانا أيضا. أما نحن فكنا نُحشر في الحافلات «بربطة المعلم» إلى مراكز الاقتراع دون أن ندفع ريالا واحدا. صحيح أننا كنا نعود بعد ذلك إلى منازلنا بالتجزئة وعلى حسابنا الخاص، أو سيرا على الأقدام، ليس لأن السلطة خالفت وعدها لا سمح الله، بل بحثا عن المندوب المالي الذي كان يختفي بين الزحام بسرعة اختفاء الوعود الانتخابية بعد الاقتراع.

وبعيدا عن الجحود والإجحاف، لم يكن ذلك الغياب يطول كثيرا. فالمندوب المالي، مثل الوعود الانتخابية، كان يعود إلينا في الموسم الانتخابي التالي. وكنا نستقبله بروح ديمقراطية متسامحة، مؤمنين بشعار غير معلن: دعونا ننسى أخطاء الماضي ونبدأ أخطاء جديدة. ولعل سر هذا التسامح يعود إلى إيماننا الراسخ بأن ما عند الحكومة لا يضيع. طبعا، باستثناء الوعود والمستحقات.

أتذكر أن لنا جارا أخرس، كان يُحشر معنا في إحدى الحافلات الانتخابية. ولم يكن أحد يهتم كثيرا بأنه لا يستطيع الهتاف. الأهم أنه يمتلك يدين سليمتين تصلحان للتصفيق أثناء الخطابات الجماهيرية.

ومنذ سنوات لم أعد أراه، لكنني سمعت أنه لم يعد الأخرس الوحيد في قريتنا، بعد أن انضم إليه بقية السكان.

شخصيا، وفي تلك الليلة، عاهدت نفسي أنه إذا عادت اليمن يوما، وانزاحت عنها حالة الخرس الراهنة، وعدت إليها، فلن أبيع صوتي مرة أخرى.

ليس صحوة للضمير. بل لأن الدولار ارتفع وصوتي أصبح أغلى.