دع المساجد للعباد تسكنها
وطف بنا نحو خمار ليسقينا
ما قال ربك ويل للذي سكروا
بل قال ويل للمصلينا
وسواء صحت نسبة هذه الأبيات إلى أبي نواس أم لم تصح، فإنها تعكس ظاهرة لا تزال حاضرة حتى اليوم، وهي اقتطاع النصوص للوصول إلى نتائج مسبقة.
ويعرف هذا الأسلوب في المنطق والتفكير النقدي بمغالطة «انتقاء الكرز»، حيث يجري اختيار الأدلة أو النصوص التي تدعم رأياً معيناً، مع تجاهل ما سواها من معلومات قد تغير الصورة أو تقدم فهماً أكثر اكتمالاً.
فالبيت الأخير يعتمد على اقتطاع جزء من الآية القرآنية: ﴿فويل للمصلين﴾، مع إغفال ما بعدها: ﴿الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾. وعند قراءة النص كاملاً يتضح أن المعنى المقصود يختلف عن الاستنتاج الناتج عن الجزء المقتطع، وأن الحكم المبني على هذا الاجتزاء لا يعبر عن المراد الحقيقي للنص.
ولا تقتصر هذه الممارسة على النصوص الدينية، بل تمتد إلى السياسة والإعلام والبحث العلمي والنقاشات اليومية. فقد ينقل عن سياسي قوله: «أنا مع رفع الأسعار»، بينما يحذف من حديثه أنه يقصد السلع الكمالية فقط مع استمرار دعم السلع الأساسية. وقد يقتطع من تصريح عالم قوله: «اللقاح غير فعال»، مع تجاهل توضيحه بأنه غير فعال بنسبة 100% في منع العدوى، لكنه يقلل بدرجة كبيرة من الوفيات والمضاعفات الخطيرة.
المشكلة هنا ليست في اختلاف التفسيرات، بل في انتقاء ما يؤيد موقفاً مسبقاً وإهمال ما عداه. فالباحث عن الحقيقة يبدأ من النص ليصل إلى النتيجة، أما من يبحث عن تأكيد قناعته المسبقة فيبدأ من النتيجة أولاً، ثم ينتقي من النص ما يخدمها ويتجاهل ما عداه.
وقد زادت وسائل التواصل الاجتماعي من انتشار هذه الظاهرة، إذ تختزل الأفكار المعقدة في مقاطع قصيرة واقتباسات مبتورة تنتشر بسرعة تفوق قدرة كثير من الناس على التحقق منها.
لذلك، فإن من أول شروط الفهم السليم لأي نص قراءته كاملاً، والنظر في سياقه، ومعرفة الغرض الذي قيل من أجله. فالكلمات لا تفهم على حقيقتها إذا عزلت عن محيطها، والنصوص لا تكشف معناها الكامل إلا عندما تقرأ كما كتبت، لا كما نرغب أن تكون.
وفي عصر تتدفق فيه المقاطع المجتزأة والاقتباسات المبتورة بوتيرة غير مسبوقة، لم يعد التحقق من السياق ترفاً معرفياً، بل ضرورة لحماية الفهم من التضليل. فالحقيقة لا تكمن دائماً في الكلمات المقتبسة، بل كثيراً ما تكمن في الكلمات التي حذفت منها.