وثمة مسارات في إدارة رأس المال البشري لا يمكن اختزالها في مجرد إجراءات تشغيلية اعتيادية، بل هي ملفات سيادية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بضمانات العدالة، وحماية المال العام من الهدر، وتعظيم العائد التنموي من الطاقات البشرية، وتشمل هذه الحزمة الحساسة عمليات التوظيف، والترقيات، وحوكمة المزايا المالية، والابتعاث والتدريب، وصناعة القيادات، إذ تصيغ هذه القرارات بمجموعها تصرفات قانونية منشئة لمراكز تؤثر في مستقبل المنظمات والمورد البشري على حد سواء.
وعندما تُترك هذه الملفات لعشوائية المعايير المتفاوتة والاجتهادات الفردية بين الجهات، تتسع فجوات العدالة التنظيمية، ويصبح تطبيع الانحراف بالسلطة خطراً يهدد البناء المؤسسي، وهنا لا يتوقف الضرر عند حدود الغبن الفردي الواقع على الكفاءات المؤهلة، بل يمتد ليشكل إخلالاً بمبادئ النزاهة والمساءلة؛ حيث تُشير الدراسات الإدارية المقارنة إلى أن الضبابية في معايير الترقيات والتعيينات تتسبب في خفض معدلات الولاء الوظيفي بنسبة تصل إلى 42%، فضلاً عن تبديد الميزانيات ونشوء شبكات نفوذ تؤدي إلى إساءة استعمال السلطة والإضرار بالوظيفة العامة. وأمام هذه التحديات، تبرز الحاجة الملحة لطرح مفهوم جديد للمركزية، ليس بوصفه تراجعاً إدارياً، بل كآلية ضبط ورقابة سابقة تضمن الامتثال للأنظمة واللوائح الوطنية.
ومن هنا يتبلور مقترح إستراتيجي يدعو إلى إنشاء قطاع مركزي موحد لإدارة الموارد البشرية يشرف على المنظومة الحكومية وشبه الحكومية، بهدف توحيد القواعد القانونية المنظمة لهذه الملفات الحيوية، واعتماد منصات رقمية متكاملة تضمن أعلى مستويات الشفافية ومكافحة الفساد الإداري، مدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات والرقابة التنبؤية. ولا يستهدف هذا النموذج المقترح سلب الاختصاصات التشغيلية اليومية للجهات، بل يهدف إلى تحقيق مكتسبات إستراتيجية ونظامية تشمل تحصين القرارات بنسب دقة تتجاوز 95% وفق مبدأ الاستحقاق، وتوجيه رأس المال البشري نحو الأولويات الحقيقية لرؤية 2030، فضلاً عن توفير ما بين 15% إلى 20% من ميزانيات التدريب والتوظيف السنوية المهدرة نتيجة التكرار وغياب التنسيق، وتجويد بيئات العمل وتفعيل المساءلة عبر قياس رضا الموظفين بشكل مستقل، لرفع مؤشر الارتباط الوظيفي العام إلى مستهدف 80%. وإن فكرة إحكام الحوكمة عبر المركزية الذكية ليست تنظيراً مجرداً، بل تدعمها شواهد تطبيقية أحدثت قفزات نوعية؛ فبالنظر إلى الواقع المحلي نجد أن نجاح منصة "اعتماد" الرقمية أحدث ثورة حقيقية في حوكمة ومركزية المشتريات الحكومية والميزانيات وسد ثغرات الهدر المالي ورفع مستوى الشفافية إلى 100% عبر توحيد قنوات الصرف والتعاقد. وبالمثل، نجحت هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية عبر توحيد الشروط وصياغة إستراتيجية مركزية موحدة للشراء في توجيه المليارات نحو تنمية الاقتصاد الوطني وميكنة الفرص بدلاً من تشتتها في اجتهادات فردية بين الوزارات، يضاف إلى ذلك الدور الصارم لمركز كفاءة الإنفاق والمشروعات الحكومية الذي فرض معايير موحدة لتقدير الاحتياجات الرأسمالية والتشغيلية، مما أسهم في توفير مئات المليارات لخزينة الدولة ومنع تكرار المشاريع غير الضرورية. وعلى الصعيد الدولي، تقدم هيئة الخدمة المدنية في سنغافورة الأنموذج الأبرز عالمياً في النزاهة، حيث تُدار ملفات التوظيف والترقيات والابتعاث لجميع موظفي الدولة عبر جهة مركزية واحدة ومستقلة تماماً، وهو النظام الذي ألغى تماماً مفهوم "الواسطة" والمحسوبية، وجعل الجدارة والاستحقاق المقياس الوحيد، مما جعل جهازها الإداري من بين الأنظف والأكفأ في مؤشرات الشفافية الدولية. وفي ذات السياق، يتولى مكتب إدارة الموارد البشرية الفيدرالي الأمريكي وضع القواعد الموحدة والتحقق من الخلفيات والامتثال القانوني لقرارات التعيين والمزايا في كافة المؤسسات الفيدرالية لضمان تكافؤ الفرص وحماية الوظيفة العامة من التسييس، بينما تعتمد التجربة الفرنسية على مركزية صارمة في فلترة وتأهيل القيادات والتوظيف الحكومي عبر مسارات وطنية موحدة لضمان تكافؤ الفرص بين كافة المواطنين وعدم تفاوت معايير التقييم بين الأقاليم أو الوزارات المختلفة.
المعادلة الإدارية الناجحة لا تكمن في المفاضلة المطلقة بين المركزية واللامركزية، بل في المقدرة على الهندسة الدقيقة للصلاحيات وفق قواعد الحوكمة، بتفويض الصلاحيات الإجرائية اليومية بأمان لضمان مرونة سير المرفق العام، وإحكام الرقابة المركزية على الملفات الإستراتيجية التي تمس النظام العام، وعدالة التطبيق، وثقة المواطن، ومستقبل الثروة البشرية الوطنية؛ وإن دراسة هذا النموذج وتطبيقه اليوم بات ضرورة ملحة لدعم جهود مكافحة الفساد الإداري والمالي، وتعزيز الكفاءة العامة للمملكة وتحقيق مستهدفات التحول الوطني الشامل.