ليس كل ما يستطيع الشاعر قوله ينبغي أن يقوله، وليس كل ما يكتبه يستحق أن ينشره. فالإبداع لا يُقاس بكثرة الإنتاج، وإنما يُقاس بأثره، وبقدرته على البقاء في الذاكرة. فكم من شاعرٍ قال آلاف الأبيات، فلم يبق منها شيء في أذهان الناس، وكم من شاعرٍ خلد التاريخ اسمه بقصيدة واحدة أصبحت عنوانًا له، تتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل.

لقد فرضت وسائل التواصل الاجتماعي واقعًا جديدًا على الشعراء، فأصبح بعضهم يرى أن عليه أن يحضر في كل مناسبة، وأن ينشر قصيدة كل يوم، وربما أكثر من قصيدة، حتى غدا حضوره طاغيًا على المتلقيات والمنتديات. ومع أن كثيرًا منهم يمتلكون موهبة حقيقية وغزارة شعرية لافتة، إلا أن كثرة النشر والظهور قد تنقلب إلى أثر عكسي، فيفقد الجمهور لذة الانتظار، ويتحول الشغف إلى اعتياد، ثم إلى ملل.

الشاعر قد يجني على نفسه عندما يجعل شعره متاحًا في كل وقت، لأن الكلمة النفيسة لا تزداد قيمة إلا بندرتها، كما أن الجوهرة لا يزداد بريقها إلا إذا كانت نادرة.


ولو رجعنا إلى تراثنا الأدبي، لوجدنا أن الخلود لم يكن حليف أكثر الشعراء إنتاجًا، بل كان حليف أكثرهم أثرًا. فهذا ابن زريق البغدادي، شاعر القرن الخامس الهجري، لم يعرفه الناس بكثرة شعره، وإنما خلد اسمه بقصيدته اليتيمة المشهورة، التي مطلعها:

لا تعذليه فإن العذل يولعهُ

قد قلتِ حقًا ولكن ليس يسمعهُ

فقد عبرت هذه القصيدة حدود الزمان والمكان، وبقيت تتردد على ألسنة الناس منذ ما يقارب ألف عام، حتى أصبح اسم ابن زريق مقترنًا بها، وصارت مثالًا خالدًا على أن قصيدة واحدة قد تصنع مجد شاعرها.

وفي الشعر النبطي الحديث نجد المثال ذاته في الشاعر بخيت السبيعي، الذي ارتبط اسمه بقصيدته الشهيرة «سجّة مع الهاجوس»، والتي يقول في مطلعها:

سجّةٍ مع الهاجوس طبيعةٍ لي

طبيعةٍ بموت ما جزت عنها

هذه القصيدة وحدها كانت كفيلة بأن تجعل صاحبها حاضرًا في ذاكرة محبي الشعر، يتناقلونها جيلاً بعد جيل، دون أن يكون من المكثرين في نشر القصائد أو الظهور الإعلامي.

ومن الظواهر التي تستحق التأمل أيضًا أن بعض الشعراء لا يكتفي بكثرة النشر، بل يشتت هويته الشعرية؛ فتجده يكتب اليوم في الغزل، وغدًا في المدح، ثم في الوطنية، ثم في الوصف، ثم في الحكمة، ثم ينتقل إلى الشعر الشعبي، ثم يعود إلى الفصيح، حتى تضيع شخصيته الأدبية، فلا يعرف الناس لأي مدرسة ينتمي، ولا بأي رسالة يتميز.

ولا يعني ذلك أن يضيق الشاعر على نفسه أو يمنعها من التنوع، وإنما المقصود أن تكون له هوية واضحة، ونهج معروف، ورسالة شعرية يشار إليه بها، فيصبح اسمه مرتبطًا بلون معين أو قضية معينة، كما ارتبط كبار الشعراء عبر التاريخ بخصائصهم الفنية والفكرية.

وفي عصرنا الحديث - خصوصًا في المنطقة الجنوبية- نجد شعراء أدركوا هذه الحقيقة، فلم يجعلوا حضورهم يوميًا، ولم يكثروا من نشر القصائد، بل كانوا ينتقون أعمالهم بعناية، ويختارون الوقت المناسب لظهورها. ومن هؤلاء الشاعر " عبدالله الشريف" ، الذي يعد من أبرز شعراء الأغنية في المنطقة الجنوبية، وكذلك الشاعر " سعيد آل وارد" ، الذي عرف بجزالة شعره وقوة مواقفه. فلم تكن كثرة النشر طريقهما إلى الشهرة، بل جودة القصيدة، ولذلك ظل الناس ينتظرون جديدهما بشغف، لأن الندرة تصنع قيمة الانتظار.

والشعر في حقيقته ليس فنًا يعجز الشاعر المتمكن عن إنتاجه، فالموهوب قادر على كتابة عشرات القصائد في وقت وجيز، لكن الحكمة ليست في كثرة ما يكتب، وإنما في حسن ما يختار للنشر. فليست كل قصيدة تستحق أن ترى النور، وليست كل مناسبة تستوجب ظهور الشاعر.

التاريخ لا يحفظ أكثر الشعراء إنتاجًا، وإنما يحفظ أكثرهم تأثيرًا. وما يبقى في ذاكرة الناس هو القصيدة التي تهز الوجدان، لا عدد القصائد المنشورة، ولا كثرة الظهور في المنصات.

الشاعر الذي يطمح إلى التميز والخلود الأدبي، عليه أن يجعل الجودة قبل الكثرة، والانتظار قبل الاعتياد، وأن يكون حضوره محسوبًا، ونهجه واضحًا، ورسالته الشعرية محددة. فحين يقل الظهور، تزداد قيمة اللقاء، وحين تندر القصيدة، يشتد شوق الناس إليها، ويبقى اسم صاحبها حاضرًا في ذاكرة الأدب، لا لأنه أكثر من قال، بل لأنه أحسن ما قال.