قد تدخل عيادة طبيب وتتوقع أن تغادر بكيس من الأدوية، لكن الطبيب هذه المرة لم يكن ككل مرة. نظر إليك بهدوء وقال: «وصفتي لك بسيطة: اجلس ساعة كاملة دون هاتف، ودون موسيقى، ودون أي شاشة، فقط دع الملل يفعل عمله».

قد تبدو هذه الفكرة جنونًا أو ضربًا من الخيال، لكن لو تأملنا حياتنا اليوم لوجدنا أننا أصبحنا نخشى الصمت أكثر مما نخشى الضجيج، ونهرب من الفراغ أكثر مما نبحث عن الراحة. فما إن نقف في طابور، أو ننتظر مصعدًا، أو نجلس لدقائق وحدنا، حتى تمتد أيدينا تلقائيًا إلى الهاتف، وكأن عقولنا فقدت قدرتها على البقاء مع نفسها.

لا تنكر هذا الأمر، فهو حقيقة. لقد أصبح العالم من حولنا مصنعًا لا يتوقف عن إنتاج المثيرات؛ إشعارات تتدفق بلا انقطاع، ومقاطع قصيرة لا تنتهي، ورسائل، وأخبار، وصور، وأصوات تتنافس جميعها على خطف انتباهنا. ومع مرور الوقت، لم نعد نحتمل الدقائق الهادئة، حتى أصبح الملل بالنسبة إلى كثيرين شعورًا يجب التخلص منه فورًا، أو عدوًا ينبغي القضاء عليه.


ولكن، هل سبق أن سألت نفسك: ماذا لو لم يكن الملل عدوًا، بل صديقًا فقدنا الثقة به منذ زمن بعيد؟

حين يتوقف سيل المعلومات، يبدأ العقل بفعل ما يجيده منذ آلاف السنين: التفكير. ففي لحظات الهدوء يراجع الإنسان ذكرياته، ويرتب أفكاره، ويطرح الأسئلة التي لا يجد وقتًا لطرحها وسط الضجيج. وكثير من الأفكار الإبداعية، والاختراعات، والقصائد، والحلول العظيمة، لم تولد أثناء تصفح الشاشات، بل وُلدت في لحظات بدت للآخرين مملة.

وربما لهذا السبب أصبح بعض الخبراء ينصحون بفترات من الانفصال الرقمي، ليس لأن التكنولوجيا سيئة، بل لأن العقل يحتاج أحيانًا إلى مساحة فارغة ليستعيد توازنه. فالفراغ ليس دائمًا نقصًا، بل قد يكون المكان الذي تنمو فيه الأفكار.

وربما سيأتي يوم تصبح فيه «جلسات الملل» جزءًا من برامج العلاج، كما نمارس اليوم تمارين الاسترخاء.

قد تبدو الفكرة غريبة الآن، لكنها ليست أغرب من واقع أصبح فيه الإنسان يحمل العالم كله في هاتفه، ومع ذلك يشعر بأن ذهنه أكثر ازدحامًا من أي وقت مضى.

ولعل السؤال الحقيقي ليس: هل سيصبح الملل علاجًا؟ بل: لماذا أصبحنا نخشى لحظات الفراغ إلى هذا الحد؟ ففي عالم يتسابق الجميع فيه نحو المزيد من السرعة، قد يكون أعظم ما نحتاج إليه ليس مزيدًا من الانشغال، بل مساحة هادئة يستعيد فيها العقل صفاءه، وتنضج فيها الأفكار، ويعود الإنسان إلى نفسه. وعندها فقط، قد نكتشف أن الملل لم يكن يومًا عدوًا، بل كان علاجًا صامتًا تجاهلناه طويلًا. فهل يأتي يوم يصفه الأطباء، أم سنسبقهم إلى اكتشاف قيمته بأنفسنا؟