كانت تمر بفترة تراكم قضايا تعجزها عن الذهاب للعمل، فمواعيد الجلسات في قاعة المحكمة على فترات متفرقة في اليوم!

كانت لا تدخل القاعة بدون كوب القهوة وقطعة الحلوى التي تضعها يوميا في جيبها؛ كأنها ممتنة لجميع معاركها!

وفي ليلة من الليالي التي يعقبها صباح معتاد في مقابلة خصوم من الرجال؛ حذرتها المحامية أن تلبس لباسا محتشما يوحي بجديتها واحترام خصمها، لأنه في هذه المرة محامي من الديانة الإسلامية!


فتهاونت بنصيحة المحامية، ثباتا في عقيدتها أن الرجال كلهم سواسية، فلن يختلف هذا عن العشرين رجلا الماضين!

ففي أقصى مبادئهم ينتقدون طبيعة سلوكها ويطعنون في عقلها وأخلاقها تقليلًا منها ليفوزوا بقرائن، بجانب أدلتهم وتهمهم الزائفة؛ كأنهم حافظين لتفاصيلها الحياتية أكثر منها، كأنهم دائرة تلتف حولها، يساعد بعضهم البعض!

فإما هم معجبون بزيادة لدرجة الحقد والانتباه للتفاصيل، وإما حاقدون على وجود أي امرأة على هذا الكوكب!

كانت تعلم ذلك فيهم، وأنهم يكرهون ذكاءها، وسعيها، وحبها لنفسها، فلا تأتي إلا في كامل زينتها في قاعة المحكمة!

ثم بعد انتهاء الجلسة مع أحدهم، وقبل البدء بآخر، تقوم بإكمال مهامها المتوقفة في المقهى الملاصق للقاعة إلى أن يأتي موعد الجلسة التالية، فيخرجون من الجلسات مارين بالمقهى محدقين عبر زجاجه فيها، وهي في الداخل، فتأتي اليوم الذي بعده لتجد التهم زائدة، مبتكرة، والشهود المشترون زادوا، كأنها مجرمة بجرم كبير!

كأنَّ ليست في غايتهم حقُّ في خصومة، بل الهدف الأسمى أن تنتهي روحها موتا، فيزيغ عقلها من قوة ضغطهم جميعا مرة واحدة، ويهزمون فيها استقامتها فتُكسرُ أمام نفسها، وقيمتها، كأنهم يريدون الوصول بها إلى أن تمتهن البغاء وإرخاص النفس، فترتاح قلوبهم وتطمئن!

جلست أمام الخصم المسلم، فلم يطرق نظرًا فيها، وغض بصرًا، ونطق احترامًا بلهجة ليس فيها حدة ولا ندية!

فتفاجأت بعد انتهاء الجلسة، وهي مارة بباب القاعة من صوته الإذاعي العالي بين أصدقائه من الرجال، كأنَّ صوته الطبيعي زئيرٌ مقابلَ صوته المنخفض مع محاميتها في القاعة؛ ففهمت تحفظه في خصومته مع النساء أن يظلمَ نعومة وأنوثة امرأة، فتُفجَعَ من صوته وتذهبَ حجتها البالغة خوفًا من هيبته!

وبعد أن ذهبت كعادتها للمقهى الملاصق للقاعة، وانهمكت في حاسوبها لمدة ساعتين؛ ثم رفعت رأسها عودة للواقع ولترى العالم من حولها، فرأته غارقا في حاسوبه، وعالمه!

لم يخرج من المحكمة محدقًا فيها مثلهم؛ فشدَّها أن تعرف عنه، وعن حياته؛ فهو الوحيد بين خصومها المحامين هكذا! كأنه خصم رغما عنه...كأنه في معركة لا تحدد قيمته...كأنها تحصيل حاصلٍ أنها من ضمن خصومه...معرضٌ عنها إعراضًا شديدًا محيرًا...متكبرًا أن يكون حجرةَ عرقلة في طريقها مثلهم...كأنه الضوء وسط ظلام! فحتى خصومها من الرجال عندما يتحدثون معه ترتفع أخلاقهم ورجولتهم، منسلخين من شخصياتهم واستفزازهم الطفولي في القاعة معها!

تكالبهم عليها جعلها لا تصدق تناقض كل ما فيه عنهم، فكيف لا يكون مثلهم، وكيف يكون ضدا بهذه الطريقة، فلابد أنه يخفي شيئًا، فسألت محاميتها: «ماذا يقول في منشورات جدران منزله عن قضيته معي».

المحامية: «يقال من حضر مجلسه ومجلس والده أنه نادم على خوض المعركة، وأنه ربما أخذ من وقت عملك ظلما، وأنه يراك ناجحة مكافحة، ويتمنى لك التوفيق!»

_«ربما مثالية منه ويريدون ألا يصل غير ذلك لنا»

_«لا تأخذينه بجريرة بقية خصومك؛ فمجلسه ومجلس والده لا ينتهي من استقبال الرجال!

فكما تعرفين أن خصومنا الباقين من الرجال من نوع منشورات النساء؛ أبواب منازلهم مغلقة، وفيهم انطواء غريب كأنهم بخجل أنثى تخاف أن تخرج من المنزل فيفتك بها أحد...كأنهم يلبسون انتكاسا للفطرة في منازلهم لا يستطيعونه خارجها، ولذلك منازلهم مظلمة، وحفلاتهم ذات موسيقى وإضاءة خافتة، وكل شيء فيهم يدعو لريبة وسرية ولا علانية».

فاستعجبت الفرق بينهم وبينه، فهي أمام ضدين، فالأول كأنها شفافة محجبة أمام ناظريه، ولو لم تكن! كأنها في اجتماع راقٍ لا خصومة!

والآخرون جميعهم مثال لشيء واحد، طفل واحد كبير؛ تربى في الشارع فآذى الناس وأزعجهم، لا يعرف رقيا ولا تقاليدَ كباراً، يبكي مزعجا للقاضي إن انتصرت في حجة.

كانت تنتبه لتنمرهم الطفولي في القاعة عليها، كأنها أساليب صغار سن لم يتجاوزوا الابتدائية، عقولهم ضحلة!

وحتى في بشرتهم مقابل بشرته تناقض وتضاد، فلمعان أسطح بشرتهم ونعومتها أول ما يلفتُ فيهم!

بينما قوة حديثه وطريقة كلامه وكلماته المحسوبة القليلة، هي أول لافت فيه، لدرجة أن المستمع له يكاد ينسى شكله ولكن يحفظ حجته ولسانه!

هو في خفض جناحه لامرأة، والاستيصاء بها خيرًا، كأنه والدها أو أخاها لا يريد كسرها، بل توجيهها وتعليمها لخطئها!

وهم في أذيتهم وحركاتهم الطفولية، ونديتهم لها في قاعة المحكمة كأنهم أذى المرأة الشهري، الذي يمر مهيجا لها عن طبيعة شخصيتها، متعبا، تنتظر مروره لتعود لطبيعتها.

انتهت الجلسات اليومية المتفرقة لمدة شهر، وعادت لعملها، وبعد شهرين وافتها نتائج القضايا؛ فإذا بها لم تكسب بمحاميتها إلا أمامه، وأما البقية فقد خسرت أمامهم جميعا؛ فاتصلت محاميتها تعتذر، وتطلب منها السماح أن خذلتها أمام خصومها، وأن لها مبلغاً مالياً عن ضرر معنوي يستوجب عليه دفعه من ذلك المسلم، فردت: «لم أخسر عندما اختلطت معاركي رقيا وتطهيرًا بمعركتي معه، أخبريه أنني متنازلة عن المبلغ، فما ضرني معنويا إلا معركتي معهم، ولم يظلمني إلا قومي الذين يتكلمون لغتي، وهو أعدلهم معي بغير لغتي، ويكفي أنه كان صورة متضادة في ذهني، ولولا الأضداد لما تميزت الأشياء، ولولا وجوده خصمًا لم أعرف معنى شرف الخصومة، وشرف مهنة المحاماة».

المحامية:

_«فما رأيك أن نطلب مقابل تنازلنا أن يكون محاميا لنا ضد أولئك الأطفال الكبار، فنعيد فتح الدعوى»؟

_«وكأنك تطلبين مني أن أضع مدفعا لطرد حشرات!

هو رجل بجيش كامل وأكبر من توجيهه ضدهم، وهم جيش من ورق هزيل غير نافع، ولو كانوا معي لما وجهتهم حتى على حشرة!

فما هي نصرتي أمامهم، وما هي خسارتي أمامه إن كنت أستطيع أن أطلب منه ما شئت!

هم اختاروا المعركة معي ليرتقون بي، وليكون لمعاركهم شرف، وأما أنا فمعركتي مع ذلك الأندلسي هي الشرف الوحيد من كل ذلك الشهر حضورا في قاعة المحكمة.

وقد أحرقتهم عندما جابهتهم، ولم أقابلهم استسلاما ورفعا للراية البيضاء وخضوعا، وكان هذا جل ما يريدون ويتوقعون ويأملون!

يريدونني مثلهم مولية للأدبار في جيوش الرجال، ناعمة عن مواجهة، لا أتقن أن أكون جندية قوية تخسر تارة وتنتصر تارة!

أخبريه أنني أستعد لدراسة المحاماة والحصول على الرخصة ليدلّني على طريقه، وهذا شرط تنازلي عنه»

المحامية:

_ نعرف خطوات الحصول على رخصة المحاماة، فلم سؤاله بالذات...هل تريدين التدريب عنده، وأخذ سر المهنة منه تحديدًا، فهناك الأمهر منه، فلو كان بارعا لما خسر أمامك، وهو في المحاماة أقدم مني!

_لأنني أعرف نفسي حقا، فخسرت في شرف مهنته، وفازوا أولئك في حقارتهم، وليس في حق لهم عندي!

هو كأنه صورة للعدالة...كأنه خرج من رواية أندلسية عربية، ليعيد تعريف الصواب والخطأ، والظلم والحق!

ولذلك انتصرت عليه!

فقد كان لديه ثغرات كثيرة، ويستطيع التلاعب بالكلمات وتوظيفها تهما، متداخلة مع بعضها البعض، مستفيدا من اسمه الكبير أمامك وصيته، ولكن نفسه الأبية أبت!

كيف تخبريني أن أحتشم في لباسي أمامه، وهو لا يراني حتى على جدول حروبه، ولست من تراكماته النفسية!

يا ليتك طلبت مني احتشاما أمام البقية!

ويا ليت القاضي طلب مني أن أتكلم معهم من وراء حجاب وجدار!

ليت نساء العالم كلهن إن اختلطن أو اختصمن أو عملن مع رجال، فلا يتقابلون في قاعة واحدة ومكان واحد إلا مع رجال من طراز أندلسي عريق!

فحتى البغي أمامه محتشمة بغض بصره، فحتى في خصومته معها لا يُنتهَكُ منها شيء كأنها لم تبغِ يوما!

وبعض استقامة الرجال تقوم تشوه واعوجاج كل أنثى!

لقد بحثت عنه، وعن سمعته في قريته، وكنت أتوقع لجدران منزله منشورات تمثل على الأقل ملصقات نساء غير عفيفات عاريات أو كاسيات محتشمات، كبقية خصومي في تخيلاتهم غير السوية!

فوجدت أنه ووالده أصحاب مجالس مليئة بالرجال، وباب بيتهم لا يغلق، ونارهم موقدة، وكرمهم وحسن جيرتهم، يتغنى به من جرّبه، ولو كان إقامة لفترة معينة لا يستطيع ألا يكتب ويتغنى فيه أحد، فعذرت نفسي أنني مندهشة من عروبته وإسلامه في مهنته وخصامه!

لقد كتب فيهم شاعر جاورهم، ويلقب بشاعر الجار:

بالسلم ولا بالمعارك ضريرين

خصيمكم منكم تزايد جفيله

أنا دليلي من كلام القديمين

ما هو من عند الوجيه البخيلة

هو ليس كبقية الخصوم يتدنس المار من خصومتهم فيوسم أنه حشرة لأنهم بالوعات، يكاد يحزن ويشفق من يختصم معهم ألا يغلق فوهتها، فلا يتنجس بلسانهم بعده أحد كما تنجست قدماه خطأً!

ذلك المحامي الأندلسي كالجبل؛ إن ارتطمت به امرأة، ولم تستطع إزاحته والفوز عليه، لجأت لقاموس عروبته ونخوته استنادًا أن تكون محامية أندلسية مثله!

مهنة المحاماة مجهر لشكل العدالة في عين العامة، فإن لم يحمل محاماتها رجال يعرفون الحق، لتبادر للذهن غيمة سواد في ضياع حق، يلزم جموع تبخر تلك الغيمة رجال أشاوس يزيحون كل تشويه.

لا يدحض الباطل إلا بحق، ولا ينتشر الجيد ويقل السوء إلا بالإشارة للجيد، وما النهي عن منكرٍ إلا بإشادة بنقيض.

الصحافة وتقصي الأخبار والبحث عن كل ما يعلمُ به الشخص عن نفسه إعلامًا هي الحكم على امتهان شخص لمهنة المحاماة أم المنع من مزاولتها!

فكيف يُحامي عن الحق رجال يُعلموُن عن أنفسهم بكل سوءٍ، كأنهم يتخذون من المحاماة حماية لأخطائهم، و عَرْبَدَتهم!

حتى عند غير المسلمين، أثرت المحامية كاميل فاسيكز من مجموعة فريق محامين الممثل حوني ديب، خير تأثير، وأعطت مثالا على إيجابيات نجاح تمكين المرأة.

وأما طليقة الممثل آمبر هيرد، فقد أعطت مثالا للعالم عن امرأة اخترعت كذبا في ميادين تعنيف، كأنها لا تستطيع نجاحا في مجال المرأة إلا أن تكذب، وتشوه سمعة عائلة بشكل مستمر لمدة ستة سنوات دون كلل أو تعب!

فلم يفيدها طاقم محاميتها في شيء، ولا اعتصار دموعها، وإنما غرقت في تهمها!

كانت المحامية كاميل مثالا أيضا على عاطفة امرأة سوية تتأثر حتى بدموع بالرغم من نجاحها، عندما قالت لآمبر استجوابا عن صديق جوني:

«to weep - to weep»

لدينا في القرآن الإشارة للكيد العظيم في النساء، ونعرفُ مراودة الرجل عن نفسه من سورة يوسف، ونعرف الاستدلال السريع اللحظي من القميص الذي يقدُّ من دبر!

ولدينا إيمانٌ عميق بأنَّ للحقِّ حصحصة لا محالة!

عروبة المحاماة، والدين الإسلامي، والعقيدة الصحيحة التي تورث حدسًا وذكاء وفراسة _من وجهة نظري_تجعل لحن القول وحجته كأنها أشدّ من موسيقى تأثيرًا.

كأن الفصاحة لا تغيب عن محام حقيقي بلسان عربي مبين.