لم يعد مهرجان الأفلام السعودي مجرد مناسبة سنوية لعروض سينمائية، بل أصبح منصة ثقافية ومعرفية تجمع المبدعين والمثقفين وصنّاع الأفلام تحت سقف واحد، وتسهم في ترسيخ مكانة المملكة بوصفها حاضنة للفنون والإبداع، انسجامًا مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.

وفي نسخته الثانية عشرة، التي استضافها مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء)، شهد المهرجان حضورًا لافتًا لنخبة من الفنانين والمخرجين والمنتجين والكتّاب من المملكة ودول الخليج والعالم العربي، في مشهد يعكس الحراك الثقافي الذي تعيشه المملكة، ويؤكد أن السينما السعودية أصبحت لغة حضارية قادرة على الوصول إلى الجمهور محليًا وإقليميًا ودوليًا.

ومن أبرز محطات المهرجان، تكريم الفنان الكويتي القدير سعد الفرج، الذي أضفى بحضوره قيمة فنية وإنسانية كبيرة، خاصة مع عرض الفيلم الوثائقي «بقشة سعد»، الذي استعرض مسيرته الحافلة بالعطاء، وعلاقاته الفنية مع عمالقة الدراما الخليجية، وفي مقدمتهم الراحل عبدالحسين عبدالرضا وخالد النفيسي، في رحلة أعادت للأذهان تاريخًا فنيًا ثريًا شكّل جزءًا من ذاكرة المشاهد الخليجي.


وعلى مدى سبعة أيام، لم يقتصر المهرجان على عروض الأفلام فحسب، بل تحول إلى مساحة للحوار وتبادل الخبرات، من خلال الندوات وورش العمل واللقاءات المفتوحة مع صناع السينما والروائيين، ومن بينهم الكاتب السعودي أسامة المسلم، الذي يحظى بشعبية واسعة بين القراء الشباب، وأسهم حضوره في إثراء النقاشات حول العلاقة بين الأدب والسينما وإمكانية تحويل الرواية إلى أعمال بصرية مؤثرة.

وضمت الدورة أكثر من ثلاثين فيلمًا بين الروائي القصير والوثائقي، قدمت موضوعات مستمدة من الواقع السعودي، لكنها صيغت برؤى فنية احترافية حملت رسائل إنسانية عميقة. بعض هذه الأعمال دعا المشاهد إلى التفكير خارج المألوف لفهم أبعاده ورموزه، وهو ما يعكس النضج المتزايد في التجربة السينمائية السعودية.

لعل أجمل ما يميز مهرجان الأفلام السعودي أنه لا يقدم السينما بوصفها وسيلة ترفيه فقط، بل يجعلها أداة للحوار، وجسرًا للتعريف بالتنوع الثقافي والاجتماعي للمملكة، من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها، في صورة تعكس ثراء الهوية الوطنية وتعدد روافدها.

نجاح مثل هذه المهرجانات يتجاوز حدود الفن، فهو يسهم في تنشيط السياحة الثقافية، ويخلق فرصًا للمواهب الشابة، ويعزز الصناعات الإبداعية، ويفتح آفاقًا جديدة أمام جيل يؤمن بأن الثقافة والفن شريكان أساسيان في التنمية. واليوم، بات مهرجان الأفلام السعودي أحد أبرز المنصات التي تقدم الصورة الحقيقية للمملكة الحديثة، بثقافتها المتجددة، ومواهبها الطموحة، وحضورها المتنامي على خارطة السينما العربية والعالمية.

ما شهدناه في مهرجان الأفلام السعودي الثاني عشر لم يكن مجرد عروض سينمائية، بل كان احتفاءً بالإنسان، والفكر، والإبداع، ورسالة تؤكد أن المملكة تمضي بخطى واثقة نحو مستقبل ثقافي يليق بمكانتها وطموحاتها.