لقد خارت القوى، وحارت العقول في تكنولوجيا هذا العصر، نسبت الخوارزميات إلى هذا العالم المسلم في القرن الثامن محمد بن موسى الخوارزمي، لقد 'تخرزمنا' في عالم من الحسابات الباردة، عالم يتنبأ لنا بحياة مريحة ناعمة، خالية من وخز العناء والتعب والتفكير وكأننا نساق فيه كالقطيع في سراب الهجير.

إن هذا العلم الذي كانت أبجدياته في غابر الأزمان عصا يخط بها الخوارزمي على رمال الصحراءِ تحت وهج الشمس ويكتب بها الأرقامَ في فراغ المدى، أضحى هذا العلم اليوم أرجوحة تتأرجح فيها عقولنا وكياناً يقرأ خفايا أحداثنا وأسرارنا، ويترجم مكنونات أهوائنا، ينظم لنا الشعر، ويكتب عنا الروايات بخياله لا خيال الكاتب، ويصوغ لنا البحوث بمهارة وفن، مُتلبساً دور الفانوس السحري الذي يعدنا بعبور دروب الحياة بلا ألم، كل هذا العلم والأرقام تحت مظلتك يا أبا موسى.

هل لدى هذا الإنسان العصري معضلة بين سطوة التعب ونشوة الراحة؟


في زمن الفكر الفطري قبل أكثر من نصف قرن، كان العمل والتفكير هما الميزان الفعلي في الحياة، فتجد الإنسان يتجاوز السبعين عاما والصحة لباسا تكسوه عزة ووقاراً، وكأنه في ريعان شبابه وقوة بنيانه.

وحينما ارتهن لوسائل الرفاهية وموائد الطعام التجارية السريعة، تلاشت تلك الصحة واستبدل العافية بأكياس من الدواء.

نحن اليوم نقف أمام راحة من نوع آخر ليست راحةَ الجسد بل راحة الفكر والعقل إنها الخوارزميات وعالم القراءات الرقمية.

إنها آفة الإنسان القادمة ليست لتدميره بالمعنى المباشر، بل لتُغرقه في الاستسلام المميت، والوصول به إلى مرحلة تسبقُ الآلة رغباته وقراراته، فتصبح خواطره كتاباً مفتوحاً لها قبل أن يدونها.

هذا سحر فكري خبيث يُشيد بيئة رقمية متجانسة تُلبي رغباتنا بسرعة تفوقُ استيعابنا البشري، وتُحاصرنا بما يوافق هوانا، إننا نمضي بخطا حثيثة نحو انقسام رقميٍ مريح، وإدمان وحدوي.

لا أظن لهذا الجيل أو للأجيال القادمة فكاكاً منه، إلا بثورة علمية جذريّة، تعيد الأشياء إلى واقعِها الصحيح، وتسترد الطبيعةَ البشريةَ من قيد الأرقام إلى رحابة الحياة.

إننا نمضي ساعات في هذه الآلات الصغيرة دون شعور بالملل، وهذا تسمم مميت أفقدنا الشغف في الاستمتاع بالحياة وطبيعتها.