فيما يستكمل لبنان، في روما، محادثات اتفاق الإطار مع إسرائيل التي لم تتوقف آلتها العسكرية عن العدوان والدمار في الجنوب، لا يزال فريق يكرر ترهات الأمس القائمة على «أوهام القوة والنصر».

قد يختلف اللبنانيون حول مضمون الاتفاق وشروطه ونتائجه، لكن يصعب تجاهل أن كثيرين يرون فيه الفرصة الأخيرة لوقف المسح المنهجي لما تبقى من قرى الجنوب، حيث لا تزال المتفجرات والجرافات الإسرائيلية تغيّر معالم الأرض وتقتلع القرى وذاكرة سكانها وتاريخهم.

مجرد الإعلان عن اتفاق الإطار الذي تم في واشنطن في 26 يونيو الماضي، أعاد إلى الواجهة اتفاق 17 مايو 1983، الاتفاق الذي لا يزال اللبنانيون يختلفون حتى اليوم حول أسباب سقوطه. هناك رواية تقول إنه سقط بفعل الرفض الشعبي والسياسي، فيما تذهب روايات أخرى إلى أن القرار كان سوريا بامتياز، وأن أحداث السادس من فبراير 1984 شكّلت الأداة التي أُعلن عبرها دفن الاتفاق، بعدما كان الرئيس السوري حافظ الأسد قد حسم موقفه برفض أي تسوية لبنانية منفصلة مع إسرائيل. ويقال أيضا إن الإسرائيلي أسقطه لأن رئيس الجمهورية آنذاك أمين الجميل لم يوقعه، رغم إقراره في البرلمان حينها.


واللافت أن الذين زعموا إسقاطهم 17 أيار، خرجوا ليمدحوه بطريقة غير مباشرة، لأنه أصبح بنظرهم أفضل كثيرا من اتفاق الإطار. وربما يحق للبنانيين أن يسألوهم: لماذا أسقطتموه؟ ألا تخشون إن أمعنتم في معارضة المفاوضات المباشرة واتفاق الإطار أن يأتي يوم تزداد فيه شراسة الاحتلال وأطماعه فتترحمون فيه عليه، كما تفعلون الآن مع 17 أيار؟

بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان عام 1982، كان يفترض أن يستعيد البلد قراره الوطني. إلا أن لبنان، في نظر كثيرين، تحوّل إلى ساحة تتنازعها ثلاثة مشاريع: الاحتلال الإسرائيلي، والنظام السوري، وإيران التي راحت تبني نفوذها تدريجيا عبر فريق من الدائرين في فلكها المذهبي. ولم يكن اللبناني هو من يقرر اتجاه الريح، بل كان يدفع ثمنها.

المفارقة أن إسرائيل، التي كانت تحتل الجنوب، كلما انسحبت من بقعة تركت خلفها واقعا لبنانيا أكثر انقساما، وكأنها كانت تدرك أن التفكك الداخلي هو الضمانة الأطول أمدا لأمنها.

وعندما انسحبت عام 2000 من معظم الأراضي اللبنانية من دون اتفاق، كان يفترض أن تنتهي مرحلة الساحات المفتوحة، وأن يبدأ مشروع الدولة. كان يفترض أن يصبح السؤال: كيف نبني المؤسسات؟ كيف نحصر السلاح بيد الدولة؟ كيف نعيد الاقتصاد والقضاء والإدارة؟ لكن الذي حصل، في رأي شريحة واسعة من اللبنانيين، كان العكس تماما.

استمر لبنان ساحةً. وبقيت أولوياته مرتبطة بحسابات إقليمية أكثر من ارتباطها بمصالح شعبه. ومع مرور السنوات، تراكمت الأزمات، وصولا إلى الانهيار المالي، وانفجار مرفأ بيروت، ثم الحرب التي أعادت الجنوب إلى الدمار والتهجير.

واليوم، بينما يمضي لبنان نحو استكمال محادثات اتفاق الإطار، يبدو واضحا أن الميليشيا المسلحة المرتبطة بإيران لا تبدو مستعدة للتخلي عن سلاحها. ويُطرح في هذا السياق تفسيران يتداولهما خصومها: الأول أن السلاح منح هذه القوى نفوذا سياسيا وأمنيا ومكانة يصعب التخلي عنها طوعا. والثاني أن العلاقة مع المشروع الإيراني لم تعد تُقدَّم بوصفها خيارا سياسيا فحسب، بل ارتبطت أيضا بمنظومة دينية وفقهية تقوم على مفهوم الولاية والطاعة، ما يجعل أي مراجعة أو تراجع أكثر تعقيدا في نظر أنصارها.

لكن، بعيدا عن ذلك يبقى السؤال الذي لا يستطيع أحد الهروب منه: إلى أين يريد اللبنانيون أن يأخذوا بلدهم، ومن المسؤول عن آلاف مؤلفة من الضحايا والمصابين وخسائر جني الأعمار والسنين؟

هل يريدونه أن يبقى ساحةً يتصارع عليها الآخرون، تُدار قراراته من خارج حدوده، وتُربط حروبه وسلمه بحسابات إقليمية؟ أم يريدونه دولةً طبيعية، ذات سيادة، تحتكر قرار الحرب والسلم، وتبني علاقاتها الخارجية وفق مصلحة اللبنانيين وحدهم؟

العالم يتغيّر بسرعة. خرائط النفوذ تُعاد صياغتها، والتحالفات تتبدل، والدول التي أنهكتها الحروب تبحث عن مخارج. وحده لبنان يبدو كأنه يصر على الدوران في الحلقة نفسها، مستعيدا سجالات الأمس والتلويح بمعاركه، بينما يفقد ما تبقى من مستقبله.

وربما لم يعد السؤال اليوم: هل كان إسقاط 17 مايو خطأ أم صوابا؟

السؤال الحقيقي هو: هل يريد اللبنانيون، بعد أكثر من أربعين عاما، أن يبقى بلدهم رهينة الصراعات، أم أن الوقت حان ليصبح وطنا، لا ساحة؟