ولن يكون مخطئًا...
لكنه لن يكون قد رأى إلا الجزء الأكثر ظهورًا من الرؤية؛ ذلك الذي تنقله الكاميرات، أو تعرضه المجسمات والصور الإعلانية. أما الجزء الأكبر والأعمق، فهو الذي لا تلتقطه العدسات.
ولهذا، عندما أعلنت السعودية قبل أشهر إعادة جدولة بعض المشاريع العملاقة وإعادة ترتيب أولوياتها، تعاملت بعض وسائل الإعلام وكأن رؤية السعودية 2030 نفسها قد تعثرت. فقد كانت تنظر إلى الرؤية من زاوية المشاريع العمرانية وحدها، بينما غاب عنها التحول الذي يجري داخل مؤسسات الدولة، وفي الاقتصاد، والتشريعات، وحياة الإنسان اليومية.
وهنا، في تقديري، وقع الخطأ الأكبر في قراءة رؤية السعودية 2030.
لقد اختُزل مشروع دولة في عدد من المشاريع العمرانية، واختُزلت آلاف المبادرات في مشروع أُعيد ترتيب جدوله الزمني، بينما الحقيقة مختلفة تمامًا.
فما أُعيدت جدولته هو جزء من مشاريع الرؤية، وليس الرؤية نفسها. بل إن إعادة ترتيب الأولويات في مشروع وطني بهذا الحجم ليست علامة تعثر، وإنما أحد مظاهر الإدارة الرشيدة. فالدول التي تخطط لعقود لا تدير مشاريعها بعقلية ردود الأفعال، بل تراجع أولوياتها باستمرار، وتعيد توجيه مواردها كلما ظهرت مستجدات أو فرص جديدة، كما حدث مع استضافة السعودية لمعرض إكسبو 2030 وكأس العالم 2034، وما استدعاه ذلك من تسريع بعض المشاريع وتأجيل أخرى.
لذلك، فالسؤال الحقيقي ليس: هل تأجل مشروع؟
بل: هل توقفت الرؤية؟
والإجابة التي تقدمها الوقائع قبل الأرقام واضحة: لا.
فالتقرير السنوي لرؤية 2030 يكشف أن 85% من مبادرات الرؤية أصبحت مكتملة أو تسير وفق الخطة، وأن 93% من مؤشرات البرامج والإستراتيجيات الوطنية حققت مستهدفاتها السنوية أو تجاوزتها أو قاربت على تحقيقها، فيما تحقق ثمانية مستهدفات قبل موعدها بست سنوات.
لقد اعتاد العالم أن يقيس التحولات الكبرى بما يراه من مبانٍ وجسور ومدن جديدة، بينما تقاس تحولات الدول الحديثة بما هو أعمق: بالأنظمة، والتشريعات، وكفاءة المؤسسات، وسرعة الخدمات، ومرونة الاقتصاد، وقدرة الدولة على تحسين حياة الناس.
فلو توقفت مشاريع البناء عامًا كاملًا، واستمرت الإصلاحات الاقتصادية والتشريعية والإدارية، لبقيت رؤية 2030 تمضي إلى أهدافها. أما لو بُنيت مدن جديدة دون تلك الإصلاحات، فلن تكون هناك رؤية 2030.
فالرؤية لم تنطلق من الخرسانة، بل من الإنسان؛ إذ بدأت بإعادة صياغة علاقة المواطن بالدولة، والمستثمر بالاقتصاد، والقطاع الخاص بالتنمية، والإدارة العامة بالكفاءة، والتقنية بالحياة اليومية.
ولهذا فإن الكاميرات، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع أن تصور آلاف الأنظمة التي عُدلت، ولا التشريعات التي استُحدثت، ولا الإجراءات التي اختُصرت، ولا التحول الذي طرأ على أداء المؤسسات الحكومية.
قبل سنوات، كانت معاملات كثيرة تستغرق أيامًا وربما أسابيع، وتتطلب مراجعة أكثر من جهة، وحمل ملفات ورقية، والانتظار في الطوابير. أما اليوم، فقد أصبحت غالبية الخدمات الحكومية تُنجز عبر المنصات الرقمية في دقائق، وتحولت الخدمات العدلية، والتجارية، والبلدية، والصحية، والتعليمية، والمصرفية إلى نموذج رقمي متقدم، حتى أصبحت السعودية من الدول الرائدة عالميًا في الحكومة الرقمية.
وفي القضاء وحده أصبحت 98% من جلسات التقاضي تُعقد إلكترونيًا، وتجاوز عدد الجلسات الرقمية 2.3 مليون جلسة، وهو تحول لا يظهر في صور الطائرات المسيّرة، لكنه غيّر حياة الناس، واختصر ملايين الساعات، ورفع كفاءة العدالة، وخفف العبء عن المتقاضين.
وإذا كان التحول الرقمي يقدم مثالًا واضحًا على ما لا تلتقطه الكاميرات، فإنه ليس سوى واحد من عشرات التحولات التي أعادت تشكيل السعودية خلال السنوات الماضية.
ففي الاقتصاد، لم يكن الهدف مجرد تقليل الاعتماد على النفط، بل بناء اقتصاد أكثر تنوعًا وقدرة على المنافسة، وفتح قطاعات جديدة، وتعزيز دور القطاع الخاص، وجعل السعودية بيئة أكثر جذبًا للاستثمار المحلي والأجنبي.
وفي سوق العمل، لم يكن الهدف إعلان أرقام جديدة، بل توفير فرص أوسع للشباب السعودي لبناء مستقبله. ولهذا انخفض معدل البطالة بين السعوديين من 12.3% عام 2016 إلى 7.2%، وهو مستهدف تحقق قبل موعده، بعد أن كانت البطالة تُعد أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد الوطني.
وفي الإسكان، لم يعد امتلاك المنزل حلمًا مؤجلًا لكثير من الأسر كما كان في السابق، فقد ارتفعت نسبة تملك السعوديين للمساكن من 47% إلى 65.4%، وهو تحول لم تصنعه المشاريع السكنية وحدها، بل منظومة متكاملة من التشريعات والتمويل والبرامج الحكومية.
أما في السياحة، فقد تجاوز عدد الزوار 100 مليون زائر قبل الموعد المستهدف، في مؤشر لا يعكس نجاح مشروع سياحي بعينه، بل نجاح سياسة متكاملة شملت التأشيرات، والبنية التحتية، والفعاليات، والاستثمار، والتسويق، وجودة الخدمات.
وفي المجتمع، ارتفعت مشاركة المرأة في سوق العمل إلى أكثر من 33%، وتجاوز عدد المتطوعين 1.2 مليون متطوع، في دلالة على أن الرؤية لم تكن مشروعًا اقتصاديًا فحسب، بل مشروعًا مجتمعيًا أطلق طاقات الإنسان ووسع مساحة مشاركته في التنمية.
ولعل من أكثر المفارقات أن بعض المنتقدين يتحدثون عن رؤية 2030 وكأنها بقيت حبرًا على ورق، بينما الواقع يقول شيئًا مختلفًا تمامًا.
فمنذ إطلاق الرؤية، لم تتوقف السعودية عن افتتاح المشاريع وتدشين المبادرات في مختلف مناطقها. ومن أراد التحقق، فتكفيه التقارير الرسمية والمنصات الحكومية وما تنشره وسائل الإعلام من أخبار الافتتاحات ومراحل الإنجاز.
لكن بعض القراءات اختارت أن تتجاوز كل ذلك، وتتوقف عند عدد محدود من المشاريع التي أُعيدت جدولة بعض مراحلها، وكأن ثماني سنوات من العمل المتواصل يمكن اختزالها في بضعة مشاريع مؤجلة.
ولو كان معيار نجاح أي رؤية وطنية هو اكتمال جميع مشاريعها في الوقت نفسه، لما استطاعت دولة في العالم أن تطلق رؤية تمتد لعقد أو عقدين. فالرؤى لا تُقاس بما اكتمل في سنة، بل بالاتجاه الذي تسير فيه الدولة، وبما يتحقق عامًا بعد عام، وبقدرتها على مراجعة أولوياتها دون أن تحيد عن أهدافها.
وربما كان من الطبيعي أن يركز كثير من الإعلام العالمي على المشاريع العملاقة، لأنها الأكثر جذبًا للصور والانتباه، لكن المشكلة بدأت عندما تحولت إلى العدسة الوحيدة التي تُقرأ من خلالها رؤية 2030، فأصبح أي تعديل في الجدول الزمني لمشروع واحد يُقدَّم وكأنه تعديل في مسار الرؤية بأكملها.
ولست أكتب هذا دفاعًا عن رؤية 2030، فالرؤية لا تحتاج إلى من يدافع عنها بقدر ما تحتاج إلى من يقرأها كما هي. وقد يدرك بعض منتقديها هذه الحقائق، لكن هناك كثيرون يطالعون تلك الروايات دون معرفة كافية بما تحقق على أرض الواقع، فتختلط عليهم الصورة. ولهذا، فإن توضيح الصورة هو دفاع عن الحقيقة.
فالكاميرات تستطيع أن توثق ما يُبنى فوق الأرض، لكنها تعجز عن تصوير ما يتغير في الإنسان، وفي مؤسسات الدولة، وفي طريقة إدارة المستقبل. وهناك تكمن القصة الحقيقية لرؤية السعودية 2030.