«مثل الكف» عبارة يطلقها البعض لوصف الأرض المنبسطة في دلالة على جودتها وقيمتها وكأسلوب تسويق لها. غير أنه يمكن سحب المصطلح لتوسيع مساحة الأرض وصولا إلى المدينة، وهنا تستبدل عبارة «مثل الكف» بـ «مثل السجاد» وهنا تأخذ المدينة أبعادا نوعية أخرى.

أوجه الشبه بين السجاد ونمط تخطيط المدينة متعددة. بداية، كلاهما عبارة عن مساحة مستطيلة في الغالب تقسم إلى مساحات أصغر هي في السجاد أنماط وأشكال زخرفية، في المدينة هي مساحات مخصصة لاستخدامات وظيفية. ويعتمد كل منهما على مبدأ التكرار في كل شيء: تكرار الوحدات الزخرفية في السجاد، وتكرار المساحات الوظيفية (مربعات عادة أو مستطيلات سكنية أو تجارية أو حكومية) في المدينة. يستمد هذا التشابه مشروعيته من التضاريس المسطحة للمدينة. هنا تصبح المدن المخططة حديثا أشبه بالسجاد، وتاريخ بناء المدن وتخطيطها يؤكد هذا. هكذا يصبح تخطيط المدن الحديثة مشابها للسجاد شكلا ومضمونا، رغم الاختلاف الجذري بين السجاد ومخطط المدينة في الحجم والوظيفة ومادة البناء في كليهما.

السراة - وجمعها سروات - مصطلح يطلق على ما ارتفع من الأرض، وسراة القوم كبارهم، وسراة الخيل ظهورها. فعلى العكس تماما من مدن السجاد يمكن استعارة مفهوم السراة تضاريسيا ومعنويا لوصف المدن ذوات التكوين التضاريسي غير المنبسط. هنا وعلى عكس المدينة المنبسطة مثل الكف في مدن السجاد، تصبح المدينة وكأنها موجة من الكتل العمرانية المتلاصقة تصعد وتهبط تبعا لتضاريسها، عكس الشوارع المتعامدة والتكوينات المكعبة الشكل المتكررة والمتشابهة - أحيانا - لحد التطابق وثبات خط الأفق في مدن السجاد، فإن التكوين العمراني لمدن السروات يتميز بديناميكيته وحركيته شكلا ومضمونا، إن كان في خط أفق المدينة أو في أشكال طرقها أو في مساراتها وحوافها وساحاتها.


مدينة السجاد يسهل التعامل معها نظرا لغياب المعوقات الطبيعية التي تعوق نموها، لذلك تنمو مدن السجاد بوتيرة أسرع بكثير من مثيلتها السروية. في المقابل مدن السراة تنمو ببطء شديد، وقد يتوقف بعضها تماما عن النمو. ونظرا لسرعة التنمية الحضرية التي مرت بها المملكة في العقود القليلة الماضية، وللطبيعة المستوية لمعظم مدن المملكة، أصبحت مدن السجاد النمط الأكثر شيوعا في تخطيط المدن بالمملكة. وتبقى «مدن الدرع العربي» في كل من الحجاز وعسير وجازان ونجران بشقيها في السراة وتهامة وأجزاء من المدينة المنورة مدنا سروية بامتياز.

يقتضي التعامل مع مدن السجاد كسر النمطية والتكرار المبالغ فيه لوحدات المدينة، والاستفادة من بعض أنماط السجاد لإضفاء حيوية فراغية ووظيفية، وكتل عمرانية متناغمة في المدينة، ويبقى توفير مساحات عامة خضراء ضمن نسيجها الحضري مطلبا ملحا.

أما في مدن السروات فكل مدينة بحاجة إلى تعامل بالغ الدقة. ولعل أكبر تحد يواجه المدن السروية هو التعامل معها كما هو سائد حاليا في معظمها وكأنها مدن سجاد. هنا يؤتى على رؤوس الجبال وتسويتها وقص أجزاء ضخمة من كتل هذه الجبال والمنحدرات والتعامل معها على أنها أراض مستوية. وهنا يحدث الخلل!

تحويل مدن السروات، أو بعض «الأحياء السروية» في مدن السجاد إلى مدن سجاد أمر غير منطقي تماما لعدة أسباب. فهو يقضي على روح المكان، حيث التضاريس جزء أساسي من تكوين المكان ذاته. كما أن تكاليف الحفر والإزالة والردم ترهق ميزانيات التنمية الحضرية. إضافة إلى أن هذا الأسلوب غير مستدام، ويخلق أوضاعا تخطيطية جديدة مضرة بالبيئة الحضرية اللصيقة بالمكان. خذ على سبيل المثال تطبيق المخطط الشبكي الدارج في مدينة السجاد على مدن السراة. هنا تتكشف مشاكل هذا التعامل مع مدن السراة. في المقابل انظر إلى طرق التعامل التقليدية مع الجبال، حيث تم تحويل هذه الجبال إلى مساطب أفقية تم استصلاحها زراعيا، بما يتوافق تماما مع كل معطيات البيئة والاستدامة.

المكان معطى أولي في تخطيط وبناء المدينة، وبالتالي فهمه تضاريسيا وبيئيا وثقافيا، والتعامل معه على هذا الأساس، أمر بالغ الأهمية لتخطيط وبناء مدن وأحياء مستدامة وعلى صلة وثيقة بالمكان.