الكون مليء بالمفارقات التي تتحدى المنطق المألوف. ونسلط الضوء على هذا المفهوم في مجال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. ففي عالم التكنولوجيا والبرمجيات، نجد أن هذا المبدأ الفلسفي يتحول من مجرد فكرة مجردة إلى أدوات عملية وهياكل برمجية تبنى عليها أنظمة المستقبل. وفي الواقع، القفزات الكبرى في التقنية حدثت تحديدا عندما قرر المهندسون استغلال الحالات التي لا تنطبق فيها القواعد المألوفة. ويتجلى هذا المبدأ الساحر في عالم الحاسبات، في البرمجة الكلاسيكية، حين يقوم المبرمج بكتابة قواعد واضحة وصارمة، إذا حدث كذا، افعل كذا. لكن عند محاولة تعليم الحاسوب مهام معقدة مثل التعرف على الوجوه أو فهم اللغات، وجد المبرمجون أن القواعد المنطقية الصارمة لا تنطبق؛ فمن المستحيل كتابة كود أو تعليمية برمجية تصف كل وجه بشري محتمل. لكن في الذكاء الاصطناعي والشبكات العصبية، عوضا عن إعطاء الآلة قواعد لتطبقها، نعطيها النتيجة ونتركها تبني قواعدها الخاصة التي لا نفهمها نحن بالضرورة فيما يعرف بمشكلة الصندوق الأسود. فحقيقة أن البرمجة التقليدية لا تنطبق، هي بالضبط ما سمح لنماذج الذكاء الاصطناعي بتطبيق التعلم الذاتي والتفوق على المنطق البشري المباشر أحيانا. وفي أي برنامج يتم تصميمه ليعمل وفق مسار طبيعي محدد مسبقا في العالم الحقيقي، تحدث فيه أخطاء غير متوقعة مثل انقطاع الإنترنت، إدخال بيانات خاطئة من المستخدم، تجعل ما لا ينطبق ينطبق أي الكود الأساسي غير قابل للتنفيذ. وهنا تتم معالجة الاستثناءات. وابتكر محللو ومصممو النظم ما يعرف بكتل البرمجة أي حاول وأمسك. وهذا تصميم مخصص ليبقى خاملا ولا يعمل أبدا، إلا في اللحظة التي يفشل فيها النظام الأصلي. بعبارة أخرى، التصميم الاستثنائي «ينطبق» ويتم تفعيله فقط عندما «لا ينطبق» الكود الأساسي، مما يمنع البرنامج من الانهيار. وفي الماضي، كانت أنظمة المعلومات تبنى على فكرة الثقة الداخلية؛ فإذا كان الموظف داخل شبكة المنظمة، فالقواعد الأمنية الصارمة لا تنطبق عليه ويثق به النظام. لكن مع تطور الأمن السيبراني، أصبحت هذه الثقة نقطة ضعف قاتلة. وظهرت معمارية أمنية حديثة تسمى بانعدام الثقة. وهذا المبدأ هنا يحاكي أن الثقة لا تنطبق على أي شخص، سواء كان داخل الشبكة أو خارجها، وسواء كان مديرا أو موظفا عاديا. ومن خلال تطبيق قاعدة عدم انطباق الثقة على الجميع، أصبحت أنظمة المعلومات تطبق أعلى معايير الأمان وتفترض أن الاختراق حاصل لا محالة لتستبق إيقافه.

ولعقود طويلة، كانت قواعد البيانات تتطلب جداول وأعمدة محددة وجاءت بيانات لا تتوافق مع هذا الهيكل لذلك فإنها ترفض، لأن الشروط لا تنطبق عليها. ومع ظهور البيانات الضخمة في وسائل التواصل الاجتماعي والمستشعرات ونقاط تجمع البيانات حتى في ذاكرة هاتف ذكي متصل بالشبكة العالمية، أصبحت البيانات عشوائية جدا. فظهرت أنظمة NoSQL. والتي تخلت عن القواعد الصارمة والجداول الثابتة. فغياب الهيكلية (اللا انطباق لشروط التخزين الكلاسيكية) أصبح هو الهيكلية الجديدة.

بفضل هذا التمرد على القواعد، استطاعت هذه الأنظمة أن تطبق عمليات المعالجة على مليارات البيانات غير المهيكلة بسرعة فائقة. وفي التكنولوجيا بشكل عام والحاسبات بشكل خاص، «ما لا ينطبق» ليس طريقا مسدودا، بل هو غالبا الباب الخلفي الذي يقودنا إلى ابتكار أنظمة أكثر مرونة وذكاءً واستيعابا لفوضى العالم الحقيقي «ينطبق».