واحدة من أهم روايات الروائي المصري نجيب محفوظ التي تعبر عن مشروعه الروائي بشكل واضح، وفيها تنعكس أفكار الفلسفة العبثية الوجودية في رواياته، هي رواية (الطريق)، قصة «صابر الرحيمي» في البحث عن والده «سيد الرحيمي» الذي لم يره قط. وفيها تجسيد رحلة الإنسان للبحث عن المعنى الوجودي في الحياة.

في هذه الرواية تحديدا، وظف محفوظ الفلسفة الوجودية بشكل مكثف للغاية ولكن بقالب شرقي وبيئة مصرية خالصة. الفلسفة الوجودية بفكرتها الرئيسة: أن الوجود يسبق الجوهر. بمعنى أن الإنسان يولد صفحة بيضاء ثم يصنع هويته ومعناه بنفسه. صابر الرحيمي في الرواية يمثل الإنسان الذي يرفض صناعة جوهره بنفسه، ولكنه يبحث عن أبيه «سيد الرحيمي» كي يمنحه الهوية والمال والأمان. في رحلة عبثية ينتقل فيها صابر من مكان إلى آخر، وينشر الإعلانات في الصحف ويسأل الجميع عن والده، وفي كل مرة يصل إلى طريق مسدود.

يعيش صابر حالة حادة من الاغتراب النفسي والاجتماعي، فهو بلا مهنة وبلا عائلة حقيقية بعد وفاة والدته، وبلا هدف واضح سوى البحث عن والده ليمنحه الأمان والهوية، في رحلة بحث مضنية وعبثية، تشبه حالة التيه الوجودي للإنسان المعاصر، كما نراها في الأدب الأوروبي الحديث. فالفلسفة الوجودية بما أفرزته من أفكار ذات طابع عبثي مصدر نشأتها أوروبي بلا جدال، وما فعله محفوظ لا يتجاوز إلباس الوجودية الأوروبية جلبابًا مصريًا.


توظيف نجيب محفوظ للفلسفة الوجودية في الرواية لا جدال فيه، ونحن هنا نحاول مناقشة مدى صلاحية هذا التوظيف، وهل يمكن تجسيد فلسفة أوروبية في لباس مصري؟ نحن نعلم أن المجتمع المصري في روايات محفوظ مجتمع عربي مسلم يغلب عليه التدين البسيط، فهل يمكن تجسيد فلسفة معقدة ذات جذور ثقافية غير عربية، وسط حاراته الشعبية وبين جموع الناس البسطاء فيه، الذين كانوا أبطالا في روايات نجيب محفوظ؟

الوجودية فلسفة معقدة ذات أبعاد ثقافية متداخلة لا يمكن اختزالها بشكل سطحي من خلال قصة شخص يبحث عن والده الغائب. الوجودية والبحث عن المعنى والإحساس بعبثية الوجود والاغتراب النفسي، كلها ظواهر ثقافية وليست مشتركات إنسانية، فنظرة الإنسان الأوروبي للكون لا تنطبق بالضرورة على الإنسان المصري.

يمكن القول إن الوجودية موروث أوروبي ولها جذور غنوصية. وقد أشار الباحث الألماني هانس يوناس في كتابه «الديانة الغنوصية» إلى أن الفلسفة الوجودية الحديثة ليست إلا إعادة إنتاج للغنوصية القديمة بطابع حديث. يوناس يعتقد أن الغنوصية لم تكن مجرد دين قديم بل هي تعبير عن حالة وجودية تشبه إلى حد بعيد العدمية الحديثة. فالبشر في الفكر الغنوصي القديم يشعرون أنهم غرباء، ألقي بهم في عالم مادي معادٍ ومظلم. والعيش في عالم لا تنتمي إليه يولد لدى الإنسان الشعور بالقلق وفقدان المعنى.

نعود مجددا لجدلية العالمين المتناقضين (المثالي والحسي) أو (العقلاني والتجريبي) فالعالم الحسي المادي عالم زائف غير حقيقي يضاد العالم النوراني الأسمى. فالإحساس بالعبث الصامت للكون عند كامو وسارتر ونيتشه، يتشابه مع معتقدات الديانة الغنوصية التي ترسخ فكرة أن العالم المادي، عالم بلا إله، ما ترك الإنسان وحيدا بلا هوية وبلا مرجعية عليا.

رحلة «صابر الرحيمي» للبحث عن أبيه تشبه رحلة الغنوصي للبحث عن أصله النوراني من خلال المعرفة السرية كي يتحرر من سجن العالم المادي المظلم. فقد أخذت الوجودية من الغنوصية قلقها واغترابها وشعورها بالسجن في هذا العالم المادي الحسي. بالتالي يحق لنا السؤال: هل الإنسان المصري يحمل مثل هذه المعتقدات أو أنها لها تأثير في وعي أبناء الحارة الشعبية في القاهرة القديمة؟ لا أعتقد أن المجتمع المصري يحمل قلقا وجوديا أو عبثيا أو أي إحساس بالاغتراب والعدمية. بالتالي يمكن القول إن توظيف نجيب محفوظ للفلسفة الوجودية في رواية «الطريق» كان شكليا وأشبه بالقشرة الخارجية. فهل وقع الكاتب الكبير في فخ المركزية الأوروبية؟