منذ عام 2014، ومع تزايد اهتمامي بالتاريخ الصيني والأدب الصيني والشأن الثقافي في الصين، وجدت نفسي أغادر دون إدراك الرواية العربية إلى الرواية الصينية. لا أستطيع أن أقول إنه كان هجرًا بقدر ما كان انجذابًا لاكتشاف عالم الصين وحضارتها التي تمتد آلاف السنين، وربطها بالتنمية التي مرت بها الصين في السنوات الأخيرة.

خلال تلك السنوات، أصبحت قراءاتي للرواية العربية شحيحة. كنت أعود إليها بين حين وآخر، خصوصًا عندما تثير إحدى الروايات فضولي بعد قراءة نشرة نقدية لها، أو عندما تعلن القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية. مع إيماني العميق بأن قوائم الجوائز للعمل الروائي ليست معيارًا وإنما هي محاولة جادة لإبراز أعمال رأت لجنة تحكيم معينة أنها تستحق الضوء في تلك الدورة.

قبل أيام، وقعت بالصدفة على مقال للروائي الجزائري «واسيني الأعرج» يتحدث فيه عن رواية «سوسطارة» للكاتبة الجزائرية حنان بوخلالة.


أثار فضولي المقال لقراءة الرواية، وعندما وصلتني الرواية بدأت قراءتها وفي داخلي شك أن يكون المقال مجرد مجاملة من واسيني الأعرج لدار النشر أو للروائية. بدأت قراءتها في مكان عام وكنت ما بين تشتيت صوت الناس حولي وما بين محاولات انسجامي مع الرواية والتركيز فيها حتى وصلت إلى العبارة «لا أعرف متى بالضبط بدأت خيبتي لكنها باغتتني» وقتها شعرت أني لوحدي رغم كل الضوضاء حولي، رواية أخذتني إلى (حومة سوسطارة) في العاصمة الجزائر، وكانت كما وصفها واسيني الأعرج (تمارس لعبة «الكاليدوسكوب» التي تضع تحت مجهرها نموذجا مصغرا من المجتمع وتقوم بتفكيكه). تنزل إلى الأزقة الضيقة، إلى البيوت الصامتة، إلى الشخصيات التي تمر بجانبنا كل يوم ولا نعرف حجم الألم الذي تحمله في داخلها. لا تقدم بطولات استثنائية، بل تقدم الإنسان كما هو؛ بخيباته، وأحلامه المؤجلة، وأسئلته التي لا تجد جوابًا.

خرجت من الرواية وقد زال شك مجاملة واسيني الأعرج للرواية في مقالته، وفي داخلي رغبة أن أبحث عن روايات عربية مغمورة تفاجئني، وتعيد لي الدهشة، والتساؤلات، ومتعة التأمل كما فعلتها سوسطارة. تلك الرواية التي أعادتني إلى الأدب العربي.