يجاملك شخص في مناسبة، مجاملة لطيفة، لكنه يتبعها مباشرة بجملة «ما شاء الله أنا ما أحسد عيني باردة» فتنتقل من حالة السعادة بمجاملته إلى بذل الجهد لطمأنته على موقفه وإثبات أنك تفهمه وتثق به !

يبقى هذا الموقف من أكثر المواقف إرباكا بالنسبة لي، رغم أنه يعد من كلاسيكيات المواقف الاجتماعية. وأتساءل: لماذا لم يتخلص الإنسان المعاصر حتى الآن من تأثير الخرافات؟

الناس ما زالوا يخافون من الحسد والعين والمس والسحر، ما زالوا يقرأون الطوالع والفناجين ويفسرون الأحلام ويصدقون قصص الأماكن المسكونة والأرقام المنحوسة!


يقول الفيلسوف آرنست كاسيرر: إن الإنسان ليس مجرد «حيوان عاقل» بل هو أبعد من ذلك هو «حيوان رامز» يحتاج إلى شبكة من الرموز والأساطير والفنون ليفهم ما وراء الأشياء أي أنه لا يكتفي بالمعرفة بل يبحث فيما وراء المعرفة، ومن هنا فإنه مهما أسقط العلم من أساطير سينتج العقل البشري مزيدا منها.

أما عالم النفس الشهير كارل غوستاف يونغ فيعتقد أن سر تمسك البشر بالأساطير هو كونها تعالج النماذج الأولية المشتركة بين البشر مثل البطل، الأم، الظل، الموت، الغيب.. وكأنما الأسطورة هي لغة النفس العميقة للإنسان.

الانثربولوجي كلود ليفي- شتراوس كان لديه منظور آخر هو اعتبار الأسطورة طريقة لتنظيم الخبرات الإنسانية. فهي تقدم «قصصا» تحكي الأحداث بتسلسل فيه منطق ما، حتى لو لم تفسر سببها، وهذا مناسب للعقل الذي يفضل السرد المتماسك على الحقائق العلمية المعقدة والمليئة بالفراغات. هذا جزء من تكيف العقل مع القلق الذي ينتج عن حالة (لا أعرف) !

ميرتشا إلياده مؤرخ الأديان الروماني يخلص إلى نتيجة مفادها أن الإنسان حتى في أكثر المجتمعات «علمانية» لا يمكنه أن يعيش دون أسطورة يضفي عليها صفات القداسة والرمزية..

من هنا يمكننا أن نفهم سر تمسك المجتمعات الحديثة الرقمية بالأساطير. بل وصناعة أساطير عصرية كانت التكنولوجيا الحديثة إحدى أدواتها، كالمؤامرات التي نفسر من خلالها مشكلاتنا السياسية والاقتصادية فتارة الأرض مسطحة والخرائط مزورة، وتارة هناك أجناس حية محبوسة في باطن الأرض، وغيرها وغيرها من القصص الغامضة التي تثير دهشة العقل. وتتماشى مع إحساسه بأن هناك نظاما يتحكم في العالم وأنه لا مكان للصدفة أو الفوضى.

ثم هل تلاحظون أنه كلما ازدادت سرعة التطور العلمي، زادت شعبية الروايات الخيالية في السينما والأعمال الفنية؟ الأفلام التي تصور الأبطال الخارقين وروايات الفانتازيا التي تجسد الشخصيات الأسطورية وحتى الألعاب تبني عوالم كاملة على قصص الفضائيين أو المستذئبين أو الخالدين أو المستنسخين وغيرها مما أنتجته «أحلام العصر».

اليوم إذا لم يعد السؤال المطروح: لماذا لم نتخلص من الخرافات القديمة؟ بل: ما هي الخرافات الجديدة التي أضفناها لمسيرتنا الإنسانية؟