قمة واشنطن بين الرئيس اللبناني جوزيف عون والرئيس الأمريكي دونالد ترمب لا تكتسب أهميتها من أسماء المشاركين فيها والصورة الآتية من البيت الأبيض، بل لأنها تأتي في لحظة يبدو فيها لبنان أمام فرصة نادرة لاستعادة قراره الوطني، بعد سنوات طويلة كان خلالها هذا القرار موزعاً بين الداخل والخارج، وبين الدولة ومن ينازعها سلطتها.
لكن المشكلة اللبنانية لم تكن يوماً أحادية الجانب، ولن يكون من الإنصاف اختزالها بطرف واحد. فمن جهة، أدى المشروع الإيراني، عبر «حزب الله»، وبالتعاون مع نظام الأسد وأدواته حتى لحظة سقوطه، إلى ربط لبنان بصراعات إقليمية تتجاوز قدرته وإمكاناته. فتحول البلد، شيئاً فشيئاً، من دولة تسعى إلى الاستقرار إلى ساحة رسائل بين طهران وخصومها. ومع كل تصعيد إقليمي، كان اللبنانيون يدفعون الثمن من أمنهم واقتصادهم ومستقبلهم، بينما بقي القرار النهائي في كثير من الأحيان مرتبطاً بحسابات تتجاوز الحدود اللبنانية.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن إسرائيل لم تتعامل مع لبنان يوماً بمنطق الرد المتناسب. فمنذ عقود، اعتادت أن تجعل من أي مواجهة، مهما كان حجمها، مبرراً لاستخدام قوة عسكرية هائلة تخلّف دماراً واسعاً في البنى التحتية والمنازل والقرى، ويسقط معها المدنيون قبل المقاتلين. وفي كل مرة، كان لبنان يجد نفسه أمام مشهد يتكرر: فعل محدود يقابله رد واسع النطاق، يطال الحجر والبشر، ويعيد البلاد سنوات إلى الوراء. لقد أثبتت التجارب المتكررة أن منطق القوة هو الذي يحكم السلوك الإسرائيلي، وأن المدني اللبناني غالباً ما يكون أول من يدفع كلفة هذا المنطق.
وهكذا، وجد لبنان نفسه عالقاً بين مشروعين: مشروع إقليمي يرى فيه ورقة نفوذ، ومشروع عسكري يتعامل معه باعتباره ساحة مفتوحة للردع. الأول صادر جزءاً من قراره الوطني، والثاني لم يتردد في تدمير ما تبقى من مقومات حياته كلما سنحت الفرصة. وبين هذا وذاك، بقي اللبناني ينتظر دولة قادرة على حمايته، لا أن تكتفي بإحصاء الخسائر بعد كل جولة.
الرهان اليوم يجب ألا يكون على تبدل نيات الآخرين، لأن المصالح لا تعرف الصداقات الدائمة، بل على بناء دولة تجعل مصلحة لبنان فوق كل اعتبار. فلا إيران ستضحي بمشروعها من أجل اللبنانيين، ولا إسرائيل ستتخلى عن عقيدتها الأمنية من أجل استقرارهم، ولا القوى الكبرى تتحرك إلا عندما تتقاطع مصالحها مع استقرار هذا البلد.
لهذا، فإن أي دعم دولي للبنان، مهما كانت أهميته، لن يكون كافياً إذا لم يقترن بإرادة لبنانية حقيقية تعيد للدولة احتكار قرار الحرب والسلم، وتمنع تحويل الوطن إلى صندوق بريد إقليمي أو إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات.
لقد أثبت التاريخ أن الدول التي تبني مستقبلها على رهانات الخارج تخسر، والدول التي تحمي سيادتها ومؤسساتها هي وحدها القادرة على الصمود. أما لبنان، فقد آن له أن يتوقف عن لعب دور الساحة، ويبدأ أخيراً بلعب دور الدولة. لأن الأوطان لا تُبنى بالولاءات المتعددة، ولا تُحمى بالقوة المنفلتة، ولا تنهض تحت القصف، بل بقيام دولة واحدة، وقرار واحد، ومصلحة واحدة... هي مصلحة لبنان.