تعقيبا على مقال "الرقص بشرف: كيف تفهم القبائل ما لا تفهمه المدن" المنشور في الوطن بتاريخ 11 يوليو 2026، للكاتب مجاهد عبدالمتعالي، الذي يقدم فيه الكاتب تفسيراً مقارناً لمشاهد الرقص المختلط (رجالا ونساء) في كردستان وغيرها، مع الفنون الشعبية في عسير، ويذهب إلى أن المشاركين في تلك الفنون الأدائية يتحولون من كونهم رجالا ونساء، إلى "جسد جماعي واحد" تعلّق داخله الهويات الفردية والجندرية.

هذه التفسيرات، على جاذبيتها الشعرية، تحمل إشكالات علمية ومنهجية؛ لأنها أولاً تقارن مقارنة خاطئة بين مظاهر الفن الشعبي الأدائي في مجتمعات ذات هويات ثقافية متباينة تماماً، ثم يعمم عليها تفسيراً واحداً يبتسر الثقافات والفنون الشعبية بل والمرأة ذاتها، بغرض استخدامها كأداة لإدانة "الصحوة" / الخصم الأيديولوجي فحسب.

ولعل المفهوم الأقرب لوصف هذا النمط من الكتابة هو "فلكلرة التاريخ"، وعملية اختزال التراث والتاريخ الاجتماعي، بما يحمله من تناقضات وصراعات وتحولات، في صور فلكلورية جذابة وسهلة الاستهلاك؛ كرقصة شعبية، أو زي تقليدي، أو حكاية بطولية، أو مشهد احتفالي. فبدلاً من دراسة التاريخ بوصفه سيرورة اجتماعية وسياسية واقتصادية معقدة، يُعاد تقديمه في هيئة مشاهد رمزية تمنح انطباعاً بوجود ماضٍ متجانس ومثالي، خالٍ من التوترات والتفاوتات والتحولات التي صنعت ذلك المجتمع.


وتقوم "فلكلرة التاريخ" على آليتين متلازمتين؛ الأولى نزع التناقضات، حيث تُهذَّب الذاكرة التاريخية بحذف ما فيها من صراعات وطبقيات وتفاوتات وإخفاقات، فلا يبقى منها إلا ما يصلح للانتصار الأيديولوجي.

والأخرى تجميد الزمن، إذ يُقدَّم التراث والماضي كما لو كان لوحة ثابتة أو متحفاً سياحياً وتسويقياً، بينما التراث الشعبي في حقيقته عملية كبرى من التحولات والغليان، تعيد المجتمعات خلالها تشكيل قيمها وعلاقاتها ومؤسساتها ومفاهيمها باستمرار. وفي حالة المقال المذكور، نرى تجسيد فلكلرة التاريخ والتراث، في أجلى صورها، إذ تتحول الرقصة أو الأغنية أو الأسطورة الرومانسية، إلى شاهد أوحد على هوية ثرية وزاخرة بالعناصر والتعقيدات.

لا خلاف على أن للفلكرة جانباً إيجابياً؛ فهي تسهم في رفد الشعراء والحالمين بإلهام الكتابة، وكذلك في تسويق وتنشيط السياحة والعلامة التجارية للوجهات والمدن، وتقوية الارتباط العاطفي بالماضي.

غير أن خطورتها تبدأ عندما تحل محل البحث العلمي، لتختزل تاريخ وتراث المجتمع كله، في رقصة، أو في مشهد متخيل لأساطير الحب والانفتاح والتحرر!

وهذا لا يحدث عادة إلا بغرض استخدام ذلك التراث والصور الفلكلورية الخيالية الزائفة، لإثبات تصورات أيديولوجية وتحقيق انتصارات فكرية على خصومٍ قد انهزموا أصلا على يد الواقع الراهن، وباتوا أثراً بعد عين!.

مع هذه الحالات من التصورات المفتعلة، والصور المفتراة، يصبح الفلكلور/ التراث الشعبي، مرتعاً للعبث والابتذال، أكثر منه توثيقا لفنون شعبية بريئة وعفوية، ويتحول التاريخ إلى أداة ثقافية تستعمل في صراع فكري عبثي، بدلاً من أن يكون موضوعاً للبحث العلمي والنقد التاريخي.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة مقال عبدالمتعالي، بوصفه مثالاً صارخاً على "فلكرة التاريخ". إذ ينطلق من مشاهد الدبكة والرقص الجماعي في شعوب أخرى، ثم يعممها على مفهوم الشرف، والعلاقة بين الجنسين، ومجتمع القبيلة فيما سماه الكاتب (جبال الجنوب)، بل وعلى التحولات الثقافية التي عرفها المجتمع هناك خلال العقود الماضية.

وهذا انتقال لا يجيزه المنهج التاريخي؛ لأن الفلكلور، مهما بلغت قيمته الثقافية، لا يمثل التاريخ كله، ولا يستطيع وحده فهم البنى الاجتماعية أو التحولات السياسية أو أنماط السلطة أو مكانة المرأة في المجتمع.

في عسير مثلاً تكاد تجمع الأخبار والروايات أن الاختلاط في اللعب والسمر كان مقتصرا على بيوت الأسرة الواحدة أو القرية الصغيرة الواحدة، فلا رجال أجانب أو غُرْب في تلك المظاهر شديدة الخصوصية.

لكن المبالغة التسويقية عبر أنثروبولوجيا متخيلة خصوصا فيما يتعلق بالمرأة في بعض الأقاليم، وما له صلة بالتاريخ القبلي، ترسم صورا أسطورية حالمة لا تتوافق مع حقيقة تلك المجتمعات وسردية تحولاتها الثقافية الكبرى!

يتخذ الموقف الليبرالي من التيار المتشدد وثقافة الحرام، من مثل هذه الصور الخيالية من حضور المرأة والفن والتسامح ذريعة لمواجهة الخصوم وقهرهم وليس بغرض الاشتغال العلمي النزيه، وعبر ما يكتبونه عن المجتمعات فيما قبل الصحوة، نلاحظ كيف يتخيلون الماضي بالمجمل في حالة أفلاطونية، وتسيطر عليهم ماضوية طوباوية، حتى تجهز تماما على الموضوعية فيما يكتبون ويزعمون!.

هذه الاستدعاءات التي تحرف حقيقة التاريخ والماضي، والتراث الشعبي فيما سماه الكاتب "جبال الجنوب" أو في غيرها، تصور مجتمعاتنا في الماضي أو ما يشار إليه عادة بـ(ما قبل الصحوة) كما لو أنها مجتمعات "الغجر" الذين لا هم لهم سوى اللهو والحب والطرب والرقص الجماعي رجالا ونساء. بينما حديثهم عن مجتمع كان يعيش حياة صارمة بالغة الحدة، والجدية والعمل الدؤوب. وفي جبال عسير، عاش المجتمع في بيئة زراعية، اقتصاد معيشتها هو العمل طوال الوقت، والنوم المبكر، والاستيقاظ المبكر، مع الالتزام والكفاح.

مثلاً ، يتحدث الكاتب عن مجتمع عشائر كردستان، كنموذج للانفتاح والرقي والتسامح، معتمدا في ذلك على مقطع فيديو شاهده في التواصل الاجتماعي لنساء ورجال يرقصون معاً، بينما في حقيقة الأمر ثمة تفاصيل مهمة: تلك النساء الجميلات الفارعات، واللواتي يرقصن الدبكة في الصف المقابل للرجال، في فيديو شاهده الكاتب وفجر تساؤلاته، تموت منهن امرأة واحدة كل 5 أيام نتيجة عنف أسري أو جريمة شرف! بحسب إحصائية رسمية من منظمة حقوقية بكردستان العراق 2024.

فالأشياء ليست كما تبدو، أو بالأحرى ليست كما يكتبها (الليبرالي السعودي) بل الأشياء كما هي في حقيقتها العميقة والمعقدة، والمغيبة لأسباب أيديولوجية نتيجة تجاذب بين طرفين يتصارعان بسذاجة بالغة تنتهي دائماً بجناية كبرى على التاريخ والتراث والقصة الإنسانية الحقيقية لمجتمعاتهم.

حيث يرى الطرف الأول أن الماضي محض انحرافات أخلاقية وعقدية، وأحوال بائسة، انتشلتنا منه الحياة الحديثة، في حين يرى الطرف المضاد، العكس تماما: مجتمع ملائكي وحياة وردية، ومدينة فاضلة، ظهرت الصحوة واختطفتنا منه!!