هذا التحول حقيقة رسختها نظرية التميز في العلاقات العامة لجيمس غرونيغ التي امتدت لأكثر من 15 عاماً وشملت 327 مؤسسة، توصلت إلى أن السمعة المؤسسية ليست نتاجاً للحملات الإعلامية فحسب، وإنما هي انعكاس مباشر لسلوك المؤسسة وجودة علاقاتها بجمهورها، ليقودنا ذلك نحو بُعد آخر، وهو أن السمعة المؤسسية لا تصنعها العلاقات العامة أو الاتصال المؤسسي بقدر اكتشافها وتعزيز حضورها والمحافظة عليها.
ولذلك، لم تعد العلاقات العامة مهمة تُستدعى فقط عند إطلاق مشروع جديد أو إدارة أزمة، ولكنها أصبحت شريكاً في صناعة القرار الإستراتيجي، من خلال قراءة توقعات الجمهور وتحليل اتجاهات الرأي العام، وبناء جسور الثقة منذ البداية، وقبل أن تظهر التحديات أو تنشأ الحاجة إلى إدارة الأزمات.
ويكتسب هذا المفهوم أهمية مضاعفة في السياق الوطني، حيث تمثل رؤية 2030 مشروعاً وطنياً لإعادة تشكيل العلاقة بين المؤسسات والمجتمع، يقوم على مبادئ الشفافية، ورفع كفاءة الأداء الحكومي وتعزيز المشاركة وترسيخ الثقة باعتبارها أحد المرتكزات الأساسية لمجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح.
نجاح المشاريع الوطنية الكبرى لا يتوقف على جودة التنفيذ الهندسي أو الاقتصادي وحدها، ممتداً إلى قدرة المؤسسات على شرح أهدافها، وإشراك المجتمع في فهم أثرها، وبناء قناعة راسخة ومستدامة بما تحققه من قيمة اقتصادية واجتماعية وثقافية.
ومع تسارع وتيرة التحول الوطني، لم تعد المشاريع العملاقة والمبادرات الوطنية تُقاس بحجم الإنجاز على أرض الواقع فحسب، وإنما بقدرتها على بناء سردية مؤسسية مقنعة تشرح دوافع التطوير، وتربط الإنجاز بأثره في الإنسان والمكان والاقتصاد، فالجمهور اليوم لا يبحث عن قائمة من الأرقام والإنجازات، بقدر ما يبحث عن قصة تجيب عن سؤالين أساسيين، لماذا يُنفذ هذا المشروع؟ وكيف يسهم في تحسين جودة حياتي ومستقبل وطني، ومن هنا أصبحت السردية المؤسسية إحدى أهم أدوات بناء الثقة وتعزيز الفهم المجتمعي، وليست مجرد وسيلة للتعريف بالإنجازات.
هنا يتجلى الدور الحقيقي للعلاقات العامة الاستباقية، فهي لا تنتظر تساؤلات الجمهور حتى تبادر بالإجابة عنها، وإنما تعمل على استشرافها والتعامل معها قبل أن تتحول إلى فجوات في الفهم أو مصادر للتأويل. كما أنها لا تقتصر على إدارة تدفق الأخبار، وإنما تسهم في إدارة الفهم العام من خلال تقديم سياق يفسر القرارات، ويعزز إدراك الجمهور لأهدافها وآثارها. وبهذا تنتقل المؤسسة من مجرد التواصل مع جمهورها إلى بناء علاقة طويلة الأمد تقوم على الثقة والشفافية والوضوح.
ويتوافق هذا المفهوم مع ما يؤكده الباحث تشارلز فومبرون في كتابه Reputation: Realizing Value from the Corporate Image (1996)، إذ يرى أن السمعة المؤسسية تُعد من أهم الأصول الإستراتيجية غير الملموسة، وأنها لا تتشكل بفعل الرسائل الإعلامية وحدها، فهي حصيلة تراكم الانطباعات والتجارب التي يبنيها الجمهور وأصحاب العلاقة مع المؤسسة بمرور الوقت، ومن هذا المنطلق، فإن الثقة ليست نتيجة حملة إعلامية ناجحة أو إعلان مؤثر، وإنما هي نتاج ممارسات متسقة، وتواصل مستمر، ووفاء دائم بالوعود التي تقدمها المؤسسة لجمهورها.
في العصر الرقمي، ازدادت أهمية هذا الدور بصورة غير مسبوقة. فالذكاء الاصطناعي أصبح قادراً على إنتاج المحتوى، والخوارزميات قادرة على إيصال الرسائل إلى ملايين الأشخاص في وقت قياسي، إلا أن أياً منهما لا يستطيع بناء المصداقية أو ترسيخ الثقة، فالثقة لا تنشأ من جودة الصياغة أو جاذبية التصميم، وإنما تتشكل من اتساق الأداء المؤسسي، وشفافية التواصل، والوفاء بالوعود، واحترام التوقعات.
من هنا يمكن فهم التحول الذي شهدته ممارسة العلاقات العامة عالمياً، إذ اتجهت من التركيز على إدارة الرسائل إلى إدارة العلاقات، فالمؤسسات اليوم لا تتواصل مع جمهور يكتفي بتلقي المعلومات، وإنما مع جمهور يمتلك القدرة على تفسير الرسائل، ومناقشتها، وتقييم الأداء، والإسهام في تشكيل الرأي العام عبر المنصات الرقمية. وأصبح نجاح الاتصال المؤسسي يقاس بقدرته على بناء الثقة وتعزيز الحوار المستمر، أكثر من قدرته على زيادة حجم المحتوى أو اتساع نطاق انتشاره.
ويمثل هذا التحول، فرصة إستراتيجية لدعم المستهدفات الوطنية، فكلما نجحت الجهات الحكومية والخاصة وغير الربحية في تبني نهج استباقي في التواصل، وتعزيز الحوار مع الجمهور المستهدف، وقياس الاتجاهات، وربط رسائلها بإنجازات واقعية ملموسة، ازدادت قدرتها على بناء الثقة، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وترسيخ المصداقية المؤسسية.
فقد تنجح الحملات الإعلامية في جذب الانتباه، وقد تحقق الرسائل الرقمية انتشاراً واسعاً، لكن ما يستقر في ذاكرة المجتمع ليس حجم ما قيل، وإنما صدق ما تحقق. فالصورة الذهنية قد تُبنى برسالة، أما الثقة فلا تتكون إلا حين تتسق الرسائل مع الممارسات، وتترجم الوعود إلى واقع ملموس.