في طرف الحديقة، بعيدًا عن صخب الألعاب، كان هناك طفل يختار العزلة دون أن يدرك معناها. يراقب السماء، ويتتبع الغيوم بعينيه الصغيرتين، وكأنه يسافر معها. هذا المشهد البسيط أعادني إلى بداياتٍ لم أعد أعيشها كما كانت.

كنتُ طفلةً لا تستهويها الألعاب بقدر ما كانت تفتنها السماء. كنت أهرب من ضجيج الطفولة، وأجلس أراقب الغيوم، وأتخيلني أرحل معها إلى أماكن بعيدة لا أعرفها، أماكن لا أحد فيها غيري، وصوت قلبي فقط. كانت تلك العزلة الصغيرة عالمي الأول، الذي أتعلم فيه كيف أرى الأشياء بطريقتي الخاصة.

كثيرًا ما تخيلت نفسي واقفة على هضبةٍ مرتفعة، وساقاي الصغيرتان ترتجفان على الحافة، والريح تدفعني للأمام كأنها تختبر شجاعتي. لم يكن هناك من يدلني، ولا طريق واضح، فقط صمت المرتفعات، واتساع السماء، ونجوم بعيدة تبدو كأنها تراقبني بصبر. ومع كل خطوة، كان داخلي مزيج من الخوف والأمل، ودعاء خافت لا يسمعه أحد إلا الله. ورغم أنني لم أكن أعرف إلى أين أذهب، كنت أشعر أن التقدم وحده هو طريقي للنجاة، وأن الوقوف في مكاني أخطر من أي شيء.


كبرتُ، وفهمت أن الحياة التي تستحق أن نعيشها ليست تلك التي تضمن الراحة والأمان دائمًا، بل تلك التي تدفعنا أحيانًا إلى الخروج من مناطقنا المعتادة، وتضعنا في مواجهة أنفسنا على حقيقتها؛ نقاط قوتنا وضعفنا، خوفنا وأملنا، وكل ما كنا نجهله في داخلنا. تلك اللحظات، رغم بساطتها، تغير فينا شيئًا لا يظهر فورًا، لكنها تترك أثرها طويلًا في العمق.

غير أن النضج لا يأتي بلا ثمن. فقد أخذ مني شيئًا من خفة الخيال، وأضعف ذلك الإيمان الطفولي بأن كل شيء يمكن تغييره بالإرادة وحدها. صارت الطرق أكثر امتلاءً بالحذر، وكأن القمم لم تُخلق لنصعدها، بل لننظر إليها من بعيد فقط.

ومع ذلك، لا تزال تلك الصورة القديمة حية في داخلي. ما زلت أرى الهضبة كما كنت أراها بعين الطفلة، وأؤمن في مكانٍ ما أن ساقين صغيرتين، حتى وإن ارتجفتا، قادرتان على بلوغ القمة، حتى في غياب طريق واضح.

وفي النهاية، لا شيء يضمن الوصول، لكن كل شيء يتغير حين نقرر أن نخطو. هناك فقط، بين الخوف والرغبة، تبدأ الحكاية الحقيقية التي تستحق أن تُروى.