وقد صدق رحمه الله في ذلك؛ فما أسرع ما يُمصّ الإنسان وتذبل روحه إذا صارت حياته كلها في الجد الجاف، وترك ظريف الأخبار، وأخبار العرب ونوادرهم، والقليل من المزاح والضحك. والجميل أن القليل من المزاح لا يُذم أبدًا، وإنما يُذم الإفراط فيه وكثرته كما نبّه ابن الجوزي في كتابه. وفي مقدمة هذا الكتاب النفيس يروي لنا أثراً بليغاً عن الصحابي الجليل أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: "إني لأستجمُّ نفسي ببعض الباطل، كراهية أن أحمل عليها من الحق ما يملُّها". والباطل هنا في لغة العرب لا يعني الحرام قطعاً، بل يرمز إلى ظريف الأخبار والملح اللطيفة.
وعن ابن زيد قال: "قال لي أبي: إن كان عطاء بن يسار ليحدثنا أنا وأبا حازم حتى يبكينا، ثم يحدثنا حتى يضحكنا، ثم يقول: مرة هكذا ومرة هكذا". ولا يزال العلماء والأفاضل عبر التاريخ يعجبهم المُلَح ويهشون لها؛ لأنها تجمُّ النفس، وتُريح القلب من كد الفكر وعناء المشقة. حتى إن عبيد الله بن عائشة حين وُصف عنده رجل من النساك والعبّاد بأنه "جِدّ كله"، علق على ذلك قائلاً: "لقد أضاق على نفسه المرعى، وقصر لها طول النُهى، ولو فكّهَا بالانتقال من حال إلى حال لتنفّس عنها ضيق العقدة، وراجع الجد بنشاط وحدّة".
إنك لتجد العالم والخطيب والقاضي يتحدث في أعمق المسائل، ثم يعقّب بين كلامه بطرفة ونادرة لطيفة؛ وما ذلك إلا خشية الملل وسآمة المتلقي. وهذا والله من فطرة الرجل الذكي وحسن سياسته، فمن منا لا يحب الطرائف والنكت التي تبهج النفس؟ ويروي الأصمعي في هذا السياق نادرة لطيفة مع محمد بن عمران التميمي -قاضي المدينة- الذي قال عنه الأصمعي: "ما رأيت في القضاة أعقل منه"، حيث أنشده الأصمعي أبياتاً خفيفة يقول فيها: يا أيها السائل عن منزلي.. نزلت في الخان على نفسي يغدو عليّ الخبز من خابزٍ.. لا يقبل الرهن ولا يُنسي آكل من كيسي ومن كسوتي.. حتى لقد أوجعني ضرسي فلما سمعها القاضي قال للأصمعي: "اكتبه لي"، فتعجب الأصمعي وقال: "أصلحك الله، إنما يكتب هذا الأحداث (أي الصغار)!"، فأجابه القاضي الحكيم: "ويحك، اكتبه فإن الأشراف يعجبهم الملاحة".
ولكن، ما هي علامات الحمق التي تدعونا للتعجب والاعتبار في هذا الكتاب؟ ينقل لنا ابن الجوزي وصفاً بليغاً ومفصلاً لأبي حاتم بن حبان الحافظ، يشرّح فيه طباع هذه الفئة قائلاً: "علامة الحمق: سرعة الجواب، وترك التثبت، والإفراط في الضحك، وكثرة الالتفات، والوقيعة في الأخيار، والاختلاط بالأشرار. والأحمق إن أعرضتَ عنه اغتم، وإن أقبلتَ عليه اغتر، وإن حلمتَ عنه جهل عليك، وإن جهلتَ عليه حلم عليك، وإن أحسنتَ إليه أساء إليك، وإن أسأت إليه أحسن إليك، وإذا ظلمتَه أنصفتَ منه، ويظلمك إذا أنصفتَه، فمن ابتُلي بصحبة الأحمق فليكثر من حمد الله على ما وهب الله مما حرمه ذاك".
وفي هذا الإطار العملي، يزخر الكتاب بقصص حافلة لشخصيات طالما ضربت بها العرب الأمثال في الغفلة، ومن أشهرهم رجل يُدعى "هبنقة" (واسمه يزيد بن ثروان)، وتظهر نوادره كيف يمكن للغفلة أن تصنع مواقف مضحكة تروّح عن النفس:
القصة الأولى (حُكم الماء): اخْتَصَمَتْ قبيلتا "طفاوة" و"بنو راسب" في رجلٍ، واَدَّعَى كُلُّ فريقٍ أَنَّهُ ينتمي إليهم، فتحاكموا إلى "هبنقة" ليقضي بينهم. ففكر قليلاً ثم خرج عليهم بحكمٍ عجيبٍ وقال: "حكمه أن يُلقى في الماء؛ فإن طفا فهو من طفاوة، وإن رَسَبَ فهو من بني راسب!". فلما سمع الرجل هذا الحكم الغريب ووجد حياته في خطر، صرخ قائلاً: "إن كان الحُكم هذا، فقد زهدتُ في الديوان!". القصة الثانية (رعي الغنم): ومن عجائب حماقته أيضاً، أنه كان إذا رعى غنماً، أخذ يختار المراعي الخصبة والعشب الوفير للشياه السمان القوية، بينما يُنحي الشياه الهزيلة الضعيفة ويطردها إلى الأرض القاحلة! وعندما سألوه عن سر هذا الفعل الغريب، أجاب بكل ثقة: "لا أُصلحُ ما أفسده الله!".
هذا التراث العربي والإسلامي لم يكن يوماً تراثاً جامداً، بل كان يجمع بين عمق العلم ورقة الروح، وكتاب كـ"أخبار الحمقى والمغفلين" يذكرنا دائماً بضرورة الموازنة في حياتنا وإعطاء أنفسنا مساحة من الترويح الصادق والنقي لتستمر عجلة الحياة بنشاط وعطاء.