هناك قيادات تشبه البضاعة الرديئة التي يختارها التاجر الأرعن رغم توفر الأفضل؛ تغليف لامع، وتكلفة تعيين منخفضة من حيث الاستحقاق والجدارة، لكنها تأتي محملة بفواتير إصلاح باهظة يدفعها الجميع بعد فوات الأوان. والمأساة الكبرى أن هذه الفواتير لا تظهر في ميزانيات الشركات العمومية كأرقام مجردة، بل تتجسد في تصدع الرأسمال غير الملموس: انهيار ثقافة المؤسسة، وهجرة الكفاءات بصمت، وتبدد مخزون الثقة.
ولتوضيح هذه الجدلية، يكفي أن نتأمل في التجربة الصينية الحديثة؛ لم تنهض شركات مثل «هواوي» في قطاع الاتصالات، و«BYD» في ثورة السيارات الكهربائية، و«DJI» في عالم الطائرات المسيرة، بالاعتماد على الحلول الرخيصة أو المساومة على الجودة، بل قامت على الاستثمار الصارم في القيادة الابتكارية والقيمة المطلقة. هذا يثبت فلسفياً أن العلة ليست في شح الكفاءات أو ضيق الأسواق، بل في «التاجر» الذي يملك سلطة القرار؛ إذ يبحث في الكفاءة عن أقل سعر ممكن، لا عن أعلى قيمة مضافة.
هذا الواقع يعكس معضلة فكرية تعيشها الكثير من القيادات اليوم؛ فالأسواق لا تفتقر إلى العقول الفذة، بل تفتقر إلى البيئات العادلة. الجودة الحقيقية تحتاج إلى تقييم عميق واستثمار طويل الأجل، في حين أن الرداءة تُباع بوعود براقة وسريعة. ومن يختار الرديء غالباً ما يفعله عن وعي وقصد لا عن جهل؛ لعلمه اليقيني أن القائد الكفء سيُحاسبه ويقيس أداءه بالنتائج، بينما القائد الضعيف سيكون طيعاً، يُفصّل الحقائق على مقاس الرغبات.
القيادة النفعية لا تتسلل إلى القمة صدفة؛ بل يُمهّد لها بقرار مؤسسي سابق. يسبقها مجلس إدارة يفضل المسكنات السريعة على الإصلاح الهيكلي، أو لجنة تعيينات ترخي معايير الحوكمة، أو مساهم يرى في الولاء الشخصي ضمانة تفوق الكفاءة المهنية. والنتيجة هي «هندسة عكسية» تزرع الخلل في قلب الهوية المؤسسية عمداً؛ فإذا كانت القيادة تبيع الوهم لشاشات العرض، فإن من اشترى وصادق على التعيين هو الشريك الأصيل في دفع الثمن.
هذه الأنماط القيادية لا تملك فلسفة تشغيلية حقيقية، بل تمتلك شهية مفرطة للسلطة والوجاهة. وتبدأ ممارساتها بإعادة هيكلة مستمرة بلا مبررات موضوعية، الغرض منها تبرير الميزانيات والمكافآت وتثبيت النفوذ، لا تحسين الأداء. وفي هذه البيئة، يُستبدل منطق الجدارة بمنطق الولاء؛ فيُهمّش المخلص وصاحب الرأي المستقل لأنه يكشف مواضع العجز، ويُقرّب المتملق لأنه يصنع صدى خادعاً للمديح. ومع الوقت، تتحول المحسوبية إلى عرف غير مكتوب، والواسطة إلى إجراء مستتر، وتُعرّف «الشطارة» بأنها مهارة الالتفاف على الأنظمة لا الإنتاج الحقيقي.
ولا يتوقف الأمر عند تعطيل حركة البناء، بل يمتد إلى اختراق أدوات الرقابة وإضعافها بشكل ممنهج. حيث تُفرغ منظومة الحوكمة من جوهرها، وتُحوّل أقسام الامتثال والتدقيق الداخلي من خط دفاعٍ حامٍ للمؤسسة، إلى أدوات لشرعنة التجاوزات وتجميل التقارير، ليصبح الصوت المهني والأخلاقي مجرد عائق تجب إزاحته وإقصاؤه.
لقد تكبّدت شركات عالمية كبرى غرامات بمليارات الدولارات بعد تورط قياداتها في قضايا فساد وشبكات وكلاء مشبوهة، ولم يكن سقوطها لأن منتجها ضعيف في السوق، بل لأنها استبدلت «منطق القيمة» المستدامة بـ«منطق الصفقة» العابرة.
الغرامة المالية -رغم ضخامتها- تظل رقماً يمكن تعويضه في الميزانيات، لكن الكارثة الوجودية الحقيقية تبدأ عندما يفقد الموظف احترامه للنظام الداخلي، ويموت شغفه بالإنتاج، وعندما يفقد العميل ثقته بالخدمة، والمساهم يقينه بالمستقبل. عند تلك النقطة الفاصلة، يختفي الفارق بين المصلحة العامة والمنفعة الخاصة، ويصبح التراجع التدريجي هو القاعدة الثابتة.
القيادة الرخيصة هي، في نهاية المطاف، أغلى قرار تدفعه المؤسسة من مستقبلها؛ إذ تترك وراءها كياناً مثقلاً بالديون التنظيمية والمالية، وسمعة منهكة في السوق، وكفاءات هاجرت بلا عودة. والتشخيص اليوم أمام مجالس الإدارة لم يعد نوعاً من الرفاهية الفكرية بل مسألة بقاء: هل نستثمر في قيمة حقيقية تدوم، أم نشتري بضاعة رخيصة تنتهي صلاحيتها سريعاً على حساب مستقبل المؤسسة؟