لا أعرف جيلًا استهلكته الحياة كما استهلكت جيلا من الآباء والأمهات عاشوا زمن الشدة. جيلٌ لم يكتب مذكراته، لكنه كتبها في الأرض عملا، وفي البيوت تربية، وفي نفوس أبنائه قيمًا بقيت بعد رحيله.

ذلك الجيل لم يملك وفرة الإمكانات، لكنه امتلك وفرة المبادئ. كان يرى أن الكرامة أغلى من المال، وأن خدمة الناس شرف، وأن حسن الخلق هو الإرث الحقيقي الذي يبقى بعد انقضاء العمر.

وأمي، رحمها الله، كانت واحدة من أجمل نماذج ذلك الجيل. ولعل أجمل ما فيها أنها لم تكن تتحدث عن الفضيلة، بل كانت تعيشها. كانت كريمة بطبعها، محبةً للخير، سبّاقةً إلى قضاء حوائج الناس، تحمل في قلبها رحمةً بالمحتاجين والأيتام والمظلومين. وكانت متفائلة، خفيفة الروح، تؤنس المكان إذا حضرت، عزيزة النفس، قوية الشخصية، لا تقبل الظلم ولا ترضى به، وتوصي أبناءها وأحفادها دائمًا بمكارم الأخلاق، والتسامح، وصلة الرحم، لأن تلك القيم كانت منهاج حياتها قبل أن تكون وصيتها.


نشأت يتيمة الأم ثم الأب، ولم تعرف في طفولتها حياة الرفاه. شاركت في رعي الأغنام، وسارت في ساعات السحر مسافات طويلة لجمع الحطب، وعاشت زمنًا كان الحصول فيه على أبسط مقومات الحياة تحديًا يوميًا. لكن قسوة البدايات لم تصنع منها إنسانة قاسية، بل صنعت قلبًا رحيمًا، ونفسًا صبورة، وإيمانًا راسخًا بأن قيمة الإنسان فيما يقدمه للناس، لا فيما يملكه.

ثم تزوجت، ورزقها الله ستة أبناء، وكانت سندًا لزوجها في سنوات الكفاح، وشريكةً له في مواجهة أعباء الحياة. وحين خفّت مسؤولياتها، عاشت أجمل سنواتها متنقلةً بين أبنائها وأحفادها وأقاربها، تمنحهم من وقتها ومحبتها ما جعل وجودها مصدر دفء وألفة لكل من عرفها.

وفي سنواتها الأخيرة، بدأت رحلة المرض؛ ضعف السمع، ثم فقدان البصر تدريجيًا، ثم تراجع الذاكرة، فالجلطات التي أقعدتها على السرير حتى اختارها الله إلى جواره قبل أيام. كانت رحلة مؤلمة، لكنها لم تمحُ صورتها التي حفظها الناس عنها، صورة المرأة التي أعطت أكثر مما أخذت، وأحبت أكثر مما تحدثت عن محبتها.

رحم الله أمي، ورحم جيلًا لا يتكرر، آمن بأن بناء الإنسان يسبق كل بناء. جيلٌ رحل أصحابه، لكن بقيت أخلاقهم في أبنائهم، وسيرتهم في ذاكرة الناس، ودعوات المحبين لهم. وما أجمل أن يرحل الإنسان وقد ترك وراءه أثرًا طيبًا، يبقى في القلوب، ويستمر في حياة من ربّاهم وأحسن إليهم.