في ديوانه «مرايا من روحي»، وتحديدًا في قصيدة«تجليات»، تتجلى هذه القدرة على التكثيف، حيث تُختزل التجربة في صورة مشحونة:
«لم أخفْ تيهي، ولم أسكنْ بمقبرتي
هذا أنا... تتلاشى فيَّ أقداري»
هنا لا تقرأ حدثًا، بل تواجه حالة داخلية مكثفة؛ إذ تتقاطع فيها الهشاشة مع الوعي، في جملة قصيرة تحمل طبقات متعددة من الدلالة. ويزداد هذا التوتر حين يقول:
«ألوذُ بالموتِ، أَشقى في مَلَذَّتِهِ
وأستجلبُ الرعدَ في استرخاءِ أمطاري»
في هذا التركيب، لا يجتمع المعنى في اتجاه واحد، بل يتوزع بين رغبتين متضادتين؛ لجوءٌ إلى الفناء، وشقاءٌ به، في مفارقة تولّد طاقة النص. هذه هي لحظة الشعر: كثافة، وصورة، وتوتر داخلي يُقال دفعة واحدة.
لكن هذه الكثافة نفسها، حين تنتقل إلى نصه الرحلي في «غربة بطعم كارتالا»، لا تبقى مضغوطة، بل تُفتح. فالتجربة التي قيلت شعريًا في عبارة، تُعاد كتابتها سرديًا في سلسلة من التفاصيل: الجسد الذي يُنهك، الألم الذي يَتصاعد، والوعي الذي يُراقب هذا الانهيار. هنا تتحول اللغة من الاختزال إلى الامتداد؛ لا لتضيف معنى جديدًا، بل لتكشف ما كان كامناً داخل الصورة الشعرية.
ومع ذلك، لا ينفصل السرد عن جذره الشعري، بل يحتفظ بأداته الأهم: الصورة. ففي لحظات التأمل، تعود الطبيعة لتعمل بوصفها مرآة للداخل، تمامًا كما في الشعر. وهذا ما يظهر أيضًا في نصوصه التي يكتب فيها المكان، كما في قصيدته:
«يا حُلوةَ التينِ، يا تسبيحةَ الوطنِ»
حيث لا تُقدَّم المدينة بوصفها مكانًا، بل كيانًا شعوريًا. ويتعمق هذا الإحساس في قوله:
«قد جئتُ من هَجَرٍ، والنخلُ يسبقني»
وهو تعبير يكشف كيف تتحول الجغرافيا إلى ذاكرة حيّة، تتقدم الشاعر وتحتويه. هنا يُؤدي المكان وظيفة موازية لما تؤديه التجربة الداخلية؛ إذ يُعيد تشكيل الذات، لكن من الخارج.
بهذا، تتوزع تجربة الخُضير بين مستويين متكاملين:
مستوى يضغط التجربة في صورة مكثفة مشحونة بالتوتر،
ومستوى يفك هذا الضغط عبر السرد، ويعيد توزيع المعنى على الزمن والتفاصيل.
ولا تبدو الرحلة -في هذا السياق- خروجًا من الشعر، بل امتدادًا له في شكل آخر؛ حيث تَختصر القصيدة التجربة، وتُعيد الرحلة بناءها. فالشعر يقولها في لحظتها، والسرد يتتبع أثرها.
يبقى التساؤل: كيف كتب تجربته؟ بل: كيف استطاع أن يُحافظ على جوهرها، وهو ينقلها من كثافة اللحظة إلى امتداد الحكاية، دون أن تفقد توترها الأول؟
من وجهة نظري النقدية، تَظهر القدرة الإبداعية في التّنقّل بين الأجناس الأدبية، وقد استطاع الخُضير أن يُحافظ على ما لديه من حسٍّ إبداعيّ وموهبة شعريةٍ حين اتجه إلى جنس أدبيٍّ آخر غير الشعر، مع حفاظه على الأدوات الرئيسة لكلٍّ من هذين الجنسين الأدبيين.