جعلت رؤية المملكة 2030 تنمية القدرات البشرية وتمكين الكفاءات الوطنية أساسًا لبناء اقتصاد مزدهر ومؤسسات أكثر كفاءة وقدرة على المنافسة. ولم يعد الاستثمار في الإنسان السعودي مقتصرًا على تعليمه وتأهيله، بل امتد إلى ضرورة إتاحة المجال أمام خبرته كي تتحول إلى أثر فعلي داخل المؤسسة. ومن هذا المنطلق، يصبح تقليص المسافة بين الاستحقاق العلمي وتفعيله التنفيذي جزءًا من استكمال توجه الدولة، لأن الكفاءة التي أنفق الوطن على بنائها لا تحقق غايتها كاملة ما لم تُقرأ في وقتها، وتُمكّن في موقعها، وتُستثمر بما يخدم الجامعة والمجتمع.

للزمن في حياة الأكاديمي معنى يتجاوز عدد سنوات الخدمة؛ فهو حصيلة بحث وتعليم وصبر وتكوين معرفي طويل. وحين تكتمل المسوغات العلمية بعد التحكيم والمراجعة والإقرار، ثم يتأخر ظهور أثرها التنفيذي، تنشأ مسافة بين زمن الإجراء وزمن الإنسان. للمؤسسة مسارها التنظيمي، لكنَّ للأكاديمي عمرًا مهنيًا وفرصًا للعطاء لا ينبغي أن تُستهلك في انتظار يمكن اختصاره.

الاستحقاق العلمي ليس منحة عابرة أو مكافأة شخصية، وإنما نتيجة لمسار محدد: إنتاج بحثي محكّم، وتقويم متخصص، وشروط نظامية، ومجالس علمية تفحص وتقرر. ولا يكتمل معنى هذا الاستحقاق بمجرد الاعتراف به على الورق، وإنما حين ينتقل أثره إلى الواقع الوظيفي بما ينسجم مع قيمته والزمن الذي صُنع فيه.


هنا ينبغي التمييز بين الترقية الأكاديمية والترقية الإدارية. فالثانية ترتبط عادةً باحتياج تنظيمي وتوافر وظيفة وترتيب أولويات إدارية، بينما تمثل الأولى إقرارًا علميًا بكفاءة تحققت وفق معايير معلنة ومحكّمة. لذلك فإن اتساع الفجوة بين اكتمال المسار العلمي وصدور أثره التنفيذي لا ينتقص من أصل الكفاءة، لكنه يطرح سؤالًا مشروعًا عن مرونة الإجراء وقدرته على مواكبة الاستحقاق في وقته.

وتتضح أهمية هذا المبدأ عند مقارنة مسارات أكاديمية قد تتجاور داخل المؤسسة الواحدة، مع اختلاف ظروفها النظامية والتعاقدية.

فقد يستكمل أكاديمي سعودي ابتعثه الوطن مسارًا علميًا طويلًا، ويحصل على مؤهلاته من جامعات مرموقة، ثم ينجز متطلبات الترقية العلمية وفق ما تقرره اللجان والمجالس المختصة، بينما يظل الأثر التنفيذي لهذا الاستحقاق مرتبطًا بمراحل إجرائية قد تطول. وفي المقابل، قد يتطور المسار الأكاديمي لعضو هيئة تدريس متعاقد، فيحصل خلال عمله على مؤهل أعلى، ثم ينتقل إلى رتبة أكاديمية جديدة وفق الأنظمة والإجراءات المعتمدة.

ولا تكمن المسألة هنا في جنسية أحد، ولا في التقليل من قيمة أي كفاءة علمية، وإنما في ضرورة الاطمئنان إلى أن اختلاف المسارات الوظيفية والتعاقدية لا يقود إلى اختلاف غير مبرر في مستوى المعايير أو سرعة تطبيقها. فالعدالة المؤسسية تقتضي أن يكون الانتقال إلى الرتب الأكاديمية قائمًا على عناصر معلنة وقابلة للقياس، تشمل جودة الإنتاج العلمي وأصالته وأثره، وكفاءة التدريس، والمشاركة الفعلية في خدمة الجامعة والمجتمع، مع التمييز الموضوعي بين الواجبات الأساسية التي يفرضها العقد الوظيفي، والإسهامات الإضافية التي تعكس مبادرة صاحبها وتميزه.

وتزداد أهمية هذا التنظيم عندما تكون الرتب الأكاديمية مرتبطة بأعداد وظيفية محددة. فالتوسع في ترقية أعضاء هيئة التدريس المتعاقدين، متى لم يستند إلى احتياج أكاديمي مدروس ومعايير موحدة وأثر علمي واضح، قد ينعكس على توزيع الأعداد المتاحة للترقية، ويحد من قدرة بعض الكفاءات السعودية المستوفية للشروط على تفعيل استحقاقها في الوقت المناسب.

ولا يهدف التنبيه إلى تفضيل غير علمي بين الكفاءات، وإنما إلى المواءمة بين الاستفادة من الخبرات الدولية وبين أولوية استثمار الكفاءات الوطنية التي تحملت الدولة تكلفة تأهيلها، بما يضمن عدالة الفرص، وكفاءة التخطيط للقوى الأكاديمية، واستدامة التوطين في الوظائف المعرفية.

ومن المشروع في هذا السياق أن يُطرح السؤال: هل تخضع الملفات المتقاربة في الرتبة والتخصص إلى مستوى واحد من الفحص العلمي؟ وهل تُقاس الإنجازات البحثية والتدريسية والمجتمعية بالأدوات والأوزان نفسها، بصرف النظر عن طبيعة التعاقد أو المسار الذي سبق الترقية؟ إن وضوح الإجابة عن هذه الأسئلة لا يحمي حق الكفاءة الوطنية وحدها، بل يحمي جميع الكفاءات، ويعزز ثقتها بعدالة المؤسسة.

وتؤكد الخبرات الجامعية الراسخة أن قوة نظام الترقية لا تأتي من التمييز بين المتقدمين على أساس الجنسية، وإنما من وحدة المعيار وشفافية الإجراء ودقة التحكيم. ولذلك فإن المطلوب ليس إغلاق المجال أمام الخبرات الدولية، ولا تعطيل تطورها الأكاديمي، بل ضمان أن تسير جميع الترقيات ضمن إطار علمي موحد، لا يمنح مسارًا أفضلية غير علمية على مسار آخر، ولا يجعل الاعتبارات التعاقدية بديلًا عن الاستحقاق الأكاديمي.

ويتحقق ذلك من خلال إخضاع ملفات الترقية، للسعوديين وغير السعوديين، لمتطلبات علمية معلنة وآلية تقويم متكافئة، تراجع الإنتاج البحثي الفعلي، وجودة التدريس، والإسهام المؤسسي والمجتمعي، وتصدر قراراتها على أسس يمكن تفسيرها والدفاع عنها. وبهذا تصبح الترقية انعكاسًا للجدارة العلمية، وتتحول العدالة من مبدأ عام إلى ممارسة مؤسسية يثق بها الجميع.

ينطلق هذا الطرح من الرغبة في الإسهام في تطوير الأداء المؤسسي وتعظيم أثر ما حققته الدولة في تنمية الإنسان. فقد وضعت رؤية المملكة 2030 الكفاءة الوطنية في مركز التنمية، وجعلت تمكينها واستثمار خبرتها امتدادًا طبيعيًا لجهود التعليم والتأهيل والابتعاث. ومن ثم فإن تسريع انتقال الخبرة العلمية من الاستحقاق إلى الممارسة يضيف إلى رصيد الجامعة، ويوسع مشاركتها في تحقيق مستهدفات التحول الوطني.

تُقاس المؤسسة الحديثة بقدرتها على الإنجاز، وبقدرتها كذلك على إدارة الفرص وفق معيار ثابت لا يتغير بتغير الأشخاص والظروف. وكلما اتسعت للكفاءة وقرأت إمكاناتها بدقة، استطاعت أن تحول رأس المال البشري إلى أثر تنموي مستدام.

والجامعات معنية بذلك أكثر من غيرها؛ فهي بيوت المعرفة وحاضنات العقول. والأستاذ الجامعي شريك في بناء رأس المال البشري، وتكوين الأجيال، وتطوير البحث، وخدمة المجتمع. حين يشعر بأن جهده يُقرأ بعدالة، وأن مساره يجد طريقه إلى التقدير في وقت معقول، تزداد ثقته بمؤسسته، ويتسع عطاؤه، وتترسخ علاقته بالمكان الذي يعمل فيه.

ولا يتوقف أثر التمكين عند العدالة المهنية أو الرضا الوظيفي، بل يصل إلى جودة المخرجات وموقع الجامعة التنافسي. فالجامعات لا تتقدم بالبنية التحتية وحدها، وإنما بقدرتها على استقطاب العقول، وإطلاق طاقاتها، وتحويل إنتاجها العلمي والتعليمي إلى نتائج قابلة للقياس. ولهذا قد يكشف الحضور في التصنيفات الدولية، صعودًا أو تراجعًا، جانبًا من كفاءة المؤسسة في إدارة مواردها البشرية والاستفادة من خبراتها.

الحديث عن أولوية الكفاءة الوطنية لا يعني الانغلاق أو التقليل من الخبرات الدولية. فالجامعة فضاء مفتوح للمعرفة، والتنوع الأكاديمي مصدر قوة. غير أن الانفتاح المتوازن يضيف الخبرة العالمية إلى الكفاءة الوطنية، ولا يجعل إحداهما بديلًا عن الأخرى. الخبرة الدولية توسع الأفق، والكفاءة الوطنية تمنح المؤسسة فهمًا أعمق لسياقها واحتياجات مجتمعها وأولويات وطنها.

الجامعة القوية لا تبني تميزها بإبطاء طاقاتها الداخلية، بل بإطلاقها في وقتها، ثم رفدها بخبرات تثريها. وهذا أحد المعاني المؤسسية للرؤية: إنسان ممكّن، ومؤسسة مرنة، وموارد بشرية تنتقل من بند إداري إلى قوة فاعلة في صناعة المستقبل.

وقد قطعت الجامعات السعودية خطوات واسعة في التطوير الأكاديمي والإداري، وحققت حضورًا متناميًا ونجاحات تستحق التقدير. وهذا المنجز نفسه يفتح الباب لمراجعة الإجراءات وتحسينها باستمرار؛ فالمؤسسات الكبرى لا تتقدم لأنها تخلو من التحديات، وإنما لأنها تملك القدرة على اكتشافها ومعالجتها كلما اقتضت المصلحة.

تمكين الكفاءة الوطنية في الجامعات ليس مطلبًا شخصيًا ضيقًا، بل سؤال وطني: كيف نحافظ على الإنسان الذي استثمر الوطن في تعليمه؟ وكيف نحول الاستحقاق إلى أثر؟ وكيف نمنع زمن الانتظار من استهلاك سنوات كان يمكن أن تضاف إلى البحث والتعليم وخدمة المجتمع؟

حين تكتمل المسوغات العلمية، فهي تمثل اعترافًا بمسيرة وتقديرًا لبحث وشهادة ببلوغ منزلة علمية محددة. وكلما قصرت المسافة بين هذا الاعتراف وتفعيله، اتسع المكسب للأكاديمي والجامعة والطالب والوطن الذي جعل الإنسان أول رهاناته وأعظم استثماراته.

التجارب الجامعية الناجحة تؤكد أن المنافسة لا ترتبط بالتمويل وحده، بل بالقدرة على اكتشاف الكفاءة ومنحها المساحة المستحقة وتحويل الإنجاز الفردي إلى قوة مؤسسية متراكمة. وفي زمن تتنافس فيه الجامعات على السمعة الأكاديمية وجودة المخرجات، يصبح تمكين الكفاءة الوطنية جزءًا أصيلًا من مسار التنمية. فالوطن الذي استثمر في الإنسان ينتظر من مؤسساته أن تجعل هذا الاستثمار يبلغ أثره الكامل في وقته الصحيح، وبالعدالة التي تليق بمشروع بحجم رؤية المملكة 2030.

الزمن، حين يُحسن استثماره، يصبح حليفًا للتنمية، وحين يطول الانتظار بعد اكتمال الاستحقاق تتراجع فرص الاستفادة الكاملة من أثره. وبين الحالتين تتحدد مسؤولية المؤسسة الحديثة: أن تنصف الكفاءة في وقتها، وأن تجعل تمكين الإنسان ممارسة مؤسسية، والاستحقاق العلمي أثرًا حاضرًا لا وعدًا مؤجلًا.