هذه الشخصية الاستثنائية لم تصنعها اﻷلقاب الرسمية، بل تبوأت مكانتها من عمق القبول والمحبة الصادقة بين أفراد العائلة الواحدة، لتجسد إرثاً ممتداً في العوائل والقبائل العربية الأصيلة، وهي ليست حكراً على جنس، فقد تكون رجلاً بقلب أب رحيم، أو امرأة بوعي أم حاضنة، حيث يتسم هذا الحكيم برجاحة العقل، وسداد الرأي، ورباطة الجأش، يلجأ إليه أفراد العائلة بطوع أنفسهم إذا استفزتهم اﻷزمات، أو حيرتهم الاتجاهات، ليجدوا في كلامه طمأنينةً تسكّن شتات عقولهم، وتهدّئ روع نفوسهم، فتراه مستشاراً في شؤون الزواج والمصاهرات، ومصلحاً يرمم التصدعات بين المتخاصمين، ومرجعاً عند تدبير المصالح الدنيوية واتخاذ القرارات، كما يتجلى دوره في السعي بالشفاعات الحَسَنة ﻷبناء العائلة مع غيرهم، فضلاً عن لفتاته الإنسانية في مشاركة المسرّات، والمواساة في الملمّات، وجبر الخواطر.
من توفيق الله تعالى أن يهب الحكمة من يشاء بأن يخص بها بعض عباده دون غيرهم، تذكيراً بالبيان القرآني: ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا﴾. ومن مشكاة هذه الهبة، ينبع فارقٌ جوهري بين «حكيم العائلة» و«مرجعها»؛ والموفق من جمع هذين الوصفين، فالمرجع قد يتقلد مكانته إرثاً عمن سبقه، أو لعلو مالي، أو منصب مرموق، أو لمجرد كِبَر سِنّه؛ إلا أنَّ الحكيم يستمد سلطته الروحية من عمق بصيرته وثقة من حوله به.
وﻷن الحكمةَ وهبيةٌ في أصلها، إلا أنها كسبيةٌ أيضاً لمن سعى إليها بالدربة والمراس تصديقاً للمأثور (إنما الحلم بالتحلم والعلم بالتعلم)؛ وهذا يدعونا لصون هذا اﻹرث وتعظيم أثره والسعي لاستدامته، من خلال إعطاء هؤلاء الحكماء مكانتهم المستحقة وتعزيز وجودهم، بالتوازي مع تلمُّسِ بوادر الحكمة في الناشئة، لتوفير بيئة خصبة داعمة تضمن نموهم الحكمي، ليستمر هذا النسيج متصلاً ومتماسكاً.