تتسارع التحولات الميدانية في الحرب السودانية مع اتساع موجة الانشقاقات داخل قوات الدعم السريع، في وقت تعكس فيه تصريحات قائدها محمد حمدان دقلو (حميدتي) حجم الضغوط التي تواجهها قواته بعد سلسلة من الانتكاسات، خصوصاً في إقليم كردفان. وبينما أعلن الجيش السوداني استقبال مجموعات جديدة من المنشقين بكامل عتادهم العسكري، تتزايد المؤشرات على أزمة ثقة داخلية وتراجع في التماسك التنظيمي، بالتزامن مع استمرار الهجمات على المناطق المدنية، بما يعزز الانطباع بأن الصراع يدخل مرحلة تتغير فيها موازين القوة على الأرض.

انشقاقات متصاعدة

أعلنت مجموعات منشقة عن قوات الدعم السريع استسلامها للجيش السوداني في مدينة أم درمان، بعدما سلّمت أفرادها وعتادها العسكري، في أحدث حلقة من الانشقاقات التي تشهدها القوات خلال الأشهر الأخيرة. وضمت المجموعة 45 مقاتلاً بكامل تجهيزاتهم العسكرية، بما في ذلك مركبات حديثة وأسلحة ثقيلة، إلى جانب عدد من القيادات البارزة، من بينهم عثمان النور ويونس إدريس وعلي الزين، وجميعهم قدموا من مدينة بارا بولاية شمال كردفان.


وأكد القادة المنشقون أن قرارهم جاء نتيجة ما وصفوه بحالة التمييز القبلي والعنصري داخل قوات الدعم السريع، إضافة إلى عدم حصول المقاتلين على حقوقهم، فضلاً عن غياب الهدف الذي يقاتلون من أجله، وهو ما يعكس تنامي التململ داخل صفوف القوة.

تآكل داخلي

وقال القائد السابق في قوات الدعم السريع النور القبة، خلال استقبال المجموعة المستسلمة، إن مجموعات أخرى تستعد للانشقاق والانضمام إلى الجيش السوداني، مرجعاً ذلك إلى الخسائر العسكرية المتلاحقة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في كردفان.

بدوره، أكد عثمان النور أن قوات الدعم السريع تشهد انهيارات متزايدة في مختلف جبهات القتال، داعياً المقاتلين إلى تسليم أنفسهم والانضمام إلى الجيش، في تصريحات تعكس اتساع دائرة الانشقاقات داخل البنية العسكرية للقوات.

ويأتي ذلك بعد انضمام عدد من القادة الميدانيين إلى الجيش خلال الفترة الماضية، من بينهم النور القبة، ثم علي رزق الله المعروف بـ«السافنا»، بينما أعلن الجيش في أكثر من مناسبة استقبال مجموعات أخرى من المنشقين في جبهات القتال المختلفة.

رسائل دفاعية

وفي موازاة التطورات الميدانية، حمل الخطاب الأخير لقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو تحولاً لافتاً في مضمونه، إذ بدا أقرب إلى محاولة احتواء تداعيات التراجع العسكري والاضطرابات الداخلية، بعدما غابت عنه لغة الحسم التي ميزت خطاباته السابقة.

وركز حميدتي على الحديث عن وجود متعاونين ومخترقين داخل صفوف قواته، في إشارة فسرها مراقبون بأنها تعكس تصاعد أزمة الثقة داخل التنظيم، مع تزايد الحديث عن الانشقاقات والخلافات بين القيادات الميدانية، كما دعا إلى وقف تصوير العمليات العسكرية، في خطوة اعتُبرت محاولة للحد من تأثير الخسائر على الروح المعنوية ومنع تسرب المعلومات المتعلقة بتحركات قواته.

كما تحدث عن الدخول في مرحلة جديدة وتغيير أسلوب إدارة المعركة، وهو ما رآه محللون اعترافاً ضمنياً بأن الإستراتيجيات السابقة لم تحقق أهدافها، وأن التطورات الميدانية فرضت مراجعة للحسابات العسكرية.

ضغط ميداني

بالتزامن مع تلك التطورات، استمرت العمليات العسكرية في شمال كردفان، حيث قُتل تسعة مدنيين وأصيب 14 آخرون إثر هجوم بطائرة مسيّرة نُسب إلى قوات الدعم السريع واستهدف قرية الجمامة، وفق مصدر طبي نقلت عنه وكالة الأنباء الفرنسية.

واتهمت مجموعة «محامو الطوارئ» قوات الدعم السريع بارتكاب انتهاكات بحق المدنيين، شملت الاعتداء على السكان ونهب المنازل وتخريب سوق المنطقة، في وقت جاء الهجوم بعد أيام من رسالة مصورة لحميدتي خاطب فيها مقاتليه قائلاً إن «الرسن» بات في أيديهم، في خطاب اعتبره مراقبون محاولة لرفع معنويات القوات وسط تصاعد الضغوط العسكرية والانشقاقات، بما يعكس تعقيد المشهد واتساع التحديات التي تواجه الدعم السريع في المرحلة الحالية.