ولهذا فإن مقالي لم يكن معنياً بتقديم سردية تاريخية لشعب محدد أو قبيلة ما، بل بتفسير مشهد ثقافي يتكرر أمامنا: رقص جماعي مختلط في مجتمعات تُعرف بالغيرة الشديدة. وهذا سؤال أنثربولوجي، لا تاريخي، ولا أيديولوجي.
ولا أعتب عليهم، بل أعتب على نفسي لعدم الإشارة إلى ذلك في بداية مقالي، رغم رهاني على فهم القارئ وإلمامه بالحد الأدنى من الحقول المعرفية، ذلك الرهان غير الموفق هو ما أوقعني في حرج مع من يخلطون الأدوات والمناهج، فيترافعون ويقاتلون بشروط كرة القدم داخل ملعب شطرنج، وصولاً إلى أساليبهم في التواصل معي عبر «الفهلوة الثقافية» التي تعتمد في مرجعيتها العلمية على «جلسة شاي سكر زيادة».
وكل هذا أتقبله بصدر رحب، فأنا لا أنتمي إلى الدوغمائية الأكاديمية المغلقة على نفسها وأساليبها المدرسية الجامدة، ولهذا تطربني كل الردود التي وصلتني لكسر جدار السكولائية/ المدرسانية التي تعيشها الأكاديمية العربية حتى الآن، حتى ولو كانت الردود في معظمها تعتمد على الفهلوة الفكرية والحذلقة اللغوية.
فالتراكم الكمي للمفردات والمعلومات عند «الحافظين كويس» ربما يُحدِث تغيراً نوعياً باتجاه الفهم ولو بعد حين، بشرط بسيط لكنه عزيز، وهو الكتابة بإخلاص في سبيل سؤال «الحرية والعلم»، لا في سبيل أزِقّة «المناكفة».
فأول الطب شعوذات لفظية وتمتمات للسحرة قبل آلاف السنين، وها هو الطب الآن منهج علمي صارم، ولهذا قلبي يتسع لكل ما وصلني من ردود على اختلاف مقامها أدباً وعلماً.
ولأن مقالي عبارة عن «محاولة أنثربولوجية» لا علاقة لها بالتاريخ الاجتماعي، فقد ضاعت ردود على مقال غير موجود أصلاً، وحتى ما ورد من توصيفات تجاهي، التي سببها «الهابيتوس الصحوي/أي البنية الذهنية المتوارثة من زمن الصحوة»، لا أهتم لها وأستطيع تفهمها، علماً بأني أحترم كل التوجهات الأيديولوجية: ليبرالية، إسلامية... الخ، ما دامت تحترم وتؤمن بقيم الدولة الوطنية الحديثة.
هل يعني هذا أن الردود التي وصلتني بتنوعاتها في القسوة أو اللطف غير مفيدة؟ على العكس، هي مفيدة ومثرية، لأنها مستغرقة بنظرة ميكروسكوبية إلى التاريخ الاجتماعي لمدينة أبها، بدلاً من الموائد الثقيلة للأنثربولوجيا التي يعسر على كثير من القرّاء هضمها.
ولأجل هذا الاهتمام الميكروسكوبي من قبل بعض القرَّاء، سأتحول إلى ناقل لشهادات تاريخية، وكانت نيتي أن أبدأ بنقل ما كتبه علامة الجزيرة العربية حمد الجاسر عن حياته في خميس مشيط وأبها قبل ما يزيد على 90 عاما، باعتبارها شهادة للتاريخ في كتابه «من سوانح الذكريات»، (ص356-359).
لكن لن يحتملوا ما أورده الجاسر في ذكرياته بسبب «الهابيتوس الصحوي» الضاغظ على وعي بعض القراء، وهذا يجعلني أحيلهم إلى ما نقله مشعل السديري عن حمد الجاسر في مقاله المنشور بموقع «العربية» عام 2014م بعنوان لافت ومعبر: «نعيب زماننا والعيب فينا» لمن كان كسولاً في الرجوع إلى كتاب الجاسر.
لأنتقل إلى شهادة تاريخية أقل إرباكاً وأخف وطأة على عقل القارئ الذي يعاني «الهابيتوس الصحوي» جاءت على لسان مجلة «العربي» في العدد 128 (يوليو 1969م ص79 ص82) تحت عنوان: «اعرف وطنك أيها العربي: أبها عاصمة عسير». حيث ورد ما يلي:
« قصة المرأة في أبها: وقصة تطور المرأة في أبها تختلف عن قصص تطور المرأة العادية في مختلف بلاد العالم.. كانت معظم نسائنا إلى عشر سنوات مضت يسرن سافرات دون حجاب، ويختلطن بالرجال في نطاق حدود العائلة، وكانت أبها بمثابة عائلة كبيرة يسيطر عليها جو الأسرة الواحدة.. وكان عدد سكانها لا يتجاوزون خمسة آلاف نسمة.. وذاع صيت أبها من ناحية طيب المناخ، وارتفاعها الشاهق، وكثرة غاباتها وجبالها المكسوة بالخضرة طوال السنة... فضلا عن الاختلاط الأسري الذي لم يكن له مثيل في أي مكان آخر بالمملكة السعودية... وجاءنا الناس من كل مكان من القصيم، والرياض، والخرج، وسدير، والمدينة، ومكة، والطائف... وزهران.. جاء كل منهم إلى أبها حاملاً معه عاداته وتقاليده.. ومن بينها الحجاب يضعونه على وجوه نسائهم.. وبدلا من أن تنطبق عليهم عاداتنا وتقاليدنا، فرضوا هم عاداتهم علينا.. ومن بينها حجاب الوجه.. فرضوه على كل امرأة في أبها... وفي السوق يقف بعض الرجال يفرضون الحجاب على البدويات السافرات القادمات من البادية على ظهور جمالهن».
« إلى الخلف.. سر» : وهذا التطور العكسي للمرأة دفع جريدة عكاظ... إلى كتابة مقال جاء فيه:« كانت المرأة في أبها تشارك الرجل في عمله تزرع وتحطب وتسقي، وتتحدث مع الرجل في جرأة وشجاعة، كل هذا يتم في أدب واحترام متبادلين.. قيل عنها وقيل.. وأصبح ما قيل في حكم القصص، يحكيها الشيخ فيتحسر، ويتناقلها الشاب ويتأسف.. وتجمع الآراء على أنهم فقدوا ذلك التقليد وأضاعوا تراثاً مجيداً وعادة طيبة كانت القبائل وبقية الأقاليم يحسدونهم عليها، وبدلاً من أن يطوروا هذا المفهوم أصبحوا يعيشون على مبدأ «إلى الخلف سر...». وأصبحت المرأة تفزع لقدوم الرجل.. أو تداري نفسها وتشيح بوجهها...» .
حصار: لقد أخرجت الحال التي آلت إليها المرأة في أبها، جريدة عكاظ عن وقارها.. لأن مندوبها وكذلك أغلب أهل الرياض كانوا يعتقدون بما كتبه المؤلفون في جميع كتبهم من أن أبها هي المنطقة الوحيدة في المملكة السعودية التي تسير فيها المرأة سافرة..
وحول بعثة العربي كان المطوعون بخيزراناتهم الرفيعة وعشرات الأطفال، يحصون علينا كل خطوة وكل حركة، ويقفون سدا بشرياً ليحولوا بين مصورنا وبين كل امرأة تبيع في السوق...» انتهى النقل عن مجلة العربي.
وأخيراً فإن من يستطيع تجاوز «الهابيتوس الصحوي» سيتفاجأ بقدرته على رؤية الآخر فيه، ذلك الآخر الذي قد يكون من قرى كردستان أو من بيروت أو صنعاء أو جبال الأطلس، فالهابيتوس الصحوي هو الصانع الأول – خلال العقود الماضية - لما يسمى «الهويات القاتلة» بمختلف مستوياتها الطائفية والإثنية، وهو ما جعلنا نرى العالم بعيون خائفة من ذاتها قبل أن تخاف من الآخر، ومن يتجاوز هذا «الهابيتوس» لا يكتشف الآخر فقط، بل يكتشف الإنسان في داخله.