ثم واصلت المسير جنوبًا، مارًّا بديار بني الحارث في قيا وجباجب، فعادت بي الذاكرة إلى عام 1400هـ، حين تشرفت بالعمل في مركز غزايل بجباجب، الذي أصبح اليوم ضمن نطاق أعمال المرور السيار والدوريات الأمنية على طريق الطائف – الباحة. ولا تزال صورة الظَّبْرَة الكبيرة التي كنا نستظل بها وقت الظهيرة حاضرةً في الذاكرة، كأنها لم تغب.
ومع امتداد الطريق، مررت بوادي شوقب، الذي كان يجري بالماء رقراقًا، وبعقبة شمرخ، ثم الأطاولة، حتى أدركني المساء في منطقة الباحة، حيث قضيت ليلة هادئة في أحد فنادقها الجميلة.
وسبحان مغير الأحوال؛ فالطرق التي كنا نسلكها قديمًا من مكة إلى جازان قبل إنشاء الطريق الساحلي، أصبحت اليوم مدنًا نابضة بالحياة، وشواهدَ على نهضةٍ تنمويةٍ شاملة، بفضل الله أولًا، ثم بما أولته قيادتنا الرشيدة – أيدها الله – من عنايةٍ ورعايةٍ وتنميةٍ متوازنة شملت المدن والمحافظات والقرى، حتى غدت المملكة نموذجًا في البناء والعطاء، يعم خيرها كل مواطن ومقيم.
ثم تابعت رحلتي عبر بلجرشي، ووادي الواحات، وبين المتنزهات والخضرة، وعلى الطرق الحديثة التي اختصرت المسافات، وأزالت كثيرًا من مشقة السفر ومخاطره، حتى وصلت إلى أبها في زمن يسير.
ومع المرور بديار خثعم، وشمران، وبالقرن، وباشوت، وبني عمر، وبني شهر، ثم النماص وتنومة، وصولًا إلى جبال بللسمر التي تكتسي بالضباب وعبق النسيم، وجدتني أردد في نفسي: ليت الشباب يعود يومًا.
ولما مررت صباحًا بديار بللحمر، تذكرت زملاء أعزاء من «قوة الحج والمواسم»، ممن تشرفت بالعمل معهم في المرور السيار خلال مواسم الحج. وفي كل منطقة مررت بها، كانت لي صحبة كريمة مع رجالٍ من أبناء هذه القبائل، برفقة أخي سليمان مفرح، وعددٍ من أقيالنا الغزوانيين، فكانت الغربة تجمع الرجال، وتصنع من الذكريات ما يبقى في القلب ما بقي العمر.
ثم دخلت منطقة عسير، فإذا بالمطر يداعب الأرض، والضباب يكسو الجبال، والبرق يزين السماء، وأعداد المصطافين تملأ الطرقات، بينما كان رجال الأمن يؤدون أعمالهم باحترافيةٍ عالية، ينظمون الحركة وييسرون تنقل الناس بكل كفاءة واقتدار، فجزاهم الله خير الجزاء.
وفي صباح السبت 18/2/1448هـ، الموافق 1/8/2026م، وبعد ليلة قضيتها في فندق كنف، خرجت أبحث عن مكان أستمتع فيه بجمال الطبيعة، فدلني الابن فراس حسن مفرح على حديقة الوردتين بمدينة أبها، فوجدتها واحةً من الجمال والهدوء والنظافة، تعكس ما تحظى به منطقة عسير من اهتمامٍ ورعاية، بجهود أمانة المنطقة، وبدعم ومتابعة أمير منطقة عسير الأمير تركي بن طلال بن عبدالعزيز آل سعود، ونائب أمير المنطقة الأمير خالد بن سطام بن سعود بن عبدالعزيز آل سعود، وبجهود جميع الجهات المعنية، وفقهم الله وسدد خطاهم.
وفي ختام هذه الرحلة، أحمد الله على ما أنعم به على هذا الوطن من أمنٍ واستقرارٍ وتنمية، وأسأله سبحانه أن يحفظ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمين رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وأن يديم على المملكة أمنها ورخاءها، ويحفظ شعبها، ويبارك في مقدساتها.