قبل أكثر من عشرين عاماً، وقعت بين يدي نسخة من كتاب «أخبار الحمقى والمغفلين» للحافظ ابن الجوزي، رحمه الله. ظننته يومها كتاباً يجمع النوادر والطرائف، ثم اكتشفت مع مرور الزمن أن قيمته لا تكمن فيما يرويه من مواقف، بل فيما يكشفه من طبائع بشرية تتكرر كلما غاب العقل وغلب الهوى.

وهذه هي سمة الكتب العظيمة، فهي لا تبقى أسيرة زمنها، بل تعبر الأزمنة لأنها تهتم بالإنسان. تتبدل الأدوات والظروف، لكن كثيراً من الطبائع تبقى على حالها.

لا يقدم ابن الجوزي الحماقة على أنها نقص في الذكاء، بل خلل في الحكم على الأمور، يجعل صاحبها يثق برأيه أكثر مما ينبغي، ويستمر في خطئه رغم ما يدعوه إلى مراجعته. والأخطر أن الحماقة لا تقف عند صاحبها، بل تمتد إلى البيئة المحيطة حين تجد من يبررها، أو يتكيف معها، حتى تغدو مع الزمن أمراً مألوفاً.


ولهذا لا يقتصر أثر الحماقة على القرار الخاطئ، بل يشمل كل من يسهم، بقصد أو بغير قصد، في إطالة أمده. فكم من رأي كان يمكن تصحيحه مبكراً، لولا أن المحيطين بصاحبه آثروا الصمت أو المجاملة أو المسايرة.

وهذا المشهد لا ينتمي إلى الماضي، بل يتكرر في كثير من بيئات العمل. فقد يتخذ قائد قراراً، ثم تكشف الوقائع أن تعديله هو الخيار الأفضل. وهنا يظهر الفارق بين نمطين من القيادة، أحدهما يتمسك بقراره خشية أن يُفهم التراجع على أنه ضعف، والآخر يراجع موقفه بثقة لأن مصلحة المؤسسة في نظره أسمى من الانتصار لرأيه.

في الحالة الأولى لا تتوقف المشكلة عند القائد، بل تبدأ من حوله. فبدلاً من أن يسمع رأياً صادقاً، يسمع ما يوافقه، وبدلاً من أن تُناقش الفكرة، يُدافع عنها مهما كانت نتائجها. ومع مرور الوقت تتحول المجاملة إلى ثقافة، ويصبح الاعتراض مخاطرة، وتُقاس الكفاءة بمدى الموافقة لا بجودة الرأي.

أما في الحالة الثانية فإن مراجعة القرار لا تُضعف القيادة، بل تعزز الثقة بها. فعندما يرى العاملون قائداً يغيّر قراره لأن خياراً آخر أصبح أفضل، يتعلمون أن تصحيح الخطأ فضيلة، وأن قوة القرار لا تُقاس بمدى التمسك به، بل بقدرته على خدمة المصلحة العامة. وهكذا تصبح المراجعة ممارسة مؤسسية، لا موقفاً استثنائياً.

ومن هنا، لا تبدو الحماقة مجرد سلوك فردي، بل خطراً تنظيمياً، إذا وجدت بيئة تكافئها أو تحتضنها. فبيئات العمل التي تشجّع الحوار، وتحمي الرأي المهني، وتُقيِّم القرارات بموضوعية، تجعل الصواب أقرب إلى الظهور، لأنها لا تقيس الرأي بمكانة صاحبه، بل بقوة حجته.

ولعل أهم ما يقدمه هذا الكتاب، بعد قرون من تأليفه، أنه يدعونا إلى مراجعة أنفسنا قبل مراجعة الآخرين. فالحكمة لا تبدأ حين نكتشف أخطاء غيرنا، بل حين نحتمل أن نكون نحن أيضاً بحاجة إلى مراجعة قناعاتنا، والإصغاء إلى رأيٍ أفضل، أو التراجع عن قرار لم يعد الأصلح.

ولذلك لم يعد ذلك الكتاب بالنسبة إليَّ مجرد إرث ثقافي علاه الغبار على رفّ قديم، بل مرآةً تذكّرني بأن الإنسان قد يتغير علمه، ومنصبه، وأدواته، لكنه يظل محتاجاً إلى الحكمة، فهي الفضيلة التي تقيه من تكرار أخطائه.