لم تكن الطائفية يومًا قدرًا محتومًا على المجتمعات العربية بل كانت في معظم مراحل التاريخ خلافًا فقهيًا ومذهبيًا لم يمنع المسلمين من التعايش داخل دولة واحدة ومجتمع واحد، غير أن هذا الاختلاف الذي ظل لقرون جزءًا من التنوع الإسلامي تحول خلال العقود الأخيرة إلى أداة للصراع السياسي وسلاح يُستخدم لإعادة رسم خرائط النفوذ وإضعاف الدول من الداخل.

واليوم تبدو اليمن أمام اختبار بالغ الخطورة يتمثل في تنامي الخطاب الطائفي ومحاولات استنساخ تجارب الانقسام التي عصفت بدول عربية أخرى فإقحام الدين في الصراع السياسي وتحويل الانتماء المذهبي إلى معيار للولاء والخصومة لا يهدد طرفًا بعينه بل يهدد فكرة الدولة نفسها ويقوض أسس المواطنة التي تقوم عليها المجتمعات المستقرة.

أثبتت تجارب المنطقة أن الحروب الطائفية لا تنتهي بانتصار فريق على آخر، وإنما بانهيار مؤسسات الدولة وتآكل الهوية الوطنية وتحوّل المجتمعات إلى ساحات صراع مفتوحة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية، وكلما تراجعت الهوية الوطنية تقدمت الهويات الفرعية وأصبح الانتماء للمذهب أو الطائفة أقوى من الانتماء للوطن.


بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر شهد الشرق الأوسط تحولات إستراتيجية عميقة كان أبرزها الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. ويرى عدد من الباحثين أن تلك المرحلة أسهمت في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية وخلقت فراغًا سياسيًا وأمنيًا استغلته قوى إقليمية لتعزيز نفوذها. وفي خضم تلك التحولات تصاعد حضور الخطاب الطائفي وأصبحت الانقسامات المذهبية جزءًا من المشهد السياسي في أكثر من دولة عربية.

وفي هذا السياق عززت إيران حضورها الإقليمي عبر دعم جماعات مسلحة في عدد من الدول العربية تتبنى مشروع ولاية الفقيه وهو ما أدى، بحسب رؤية العديد من الحكومات العربية، إلى تعقيد الأزمات الداخلية وإطالة أمد النزاعات وتحويل بعض الدول إلى ساحات صراع بالوكالة.

غير أن تحميل الخارج وحده مسؤولية الواقع العربي يبقى قراءة غير مكتملة فالمشروعات الخارجية لا تجد طريقها إلى النجاح إلا عندما تجد بيئة داخلية منقسمة وخطابًا سياسيًا يستثمر في المذهب ونخبًا تقدم الولاءات الضيقة على المصلحة الوطنية، ومن هنا فإن المسؤولية الأولى تقع على عاتق القوى الوطنية التي ينبغي أن ترفض استغلال الدين في المنافسة السياسية، وأن تعمل على ترسيخ مفهوم الدولة الجامعة التي يتساوى فيها المواطنون بغض النظر عن مذاهبهم أو انتماءاتهم.

أما اليمن فإن تاريخه الطويل يقدم نموذجًا مختلفًا؛ فقد عاش اليمنيون على امتداد قرون، في إطار من التعايش بين المذاهب ولم تكن الانتماءات الدينية سببًا في تمزيق المجتمع كما هو الحال اليوم، وما يشهده البلد من استقطاب مذهبي هو ظاهرة حديثة ارتبطت بالصراع السياسي وتدخلات القوى الإقليمية أكثر من ارتباطها بالتراث اليمني.

وأخطر ما يمكن أن يواجهه اليمن ليس استمرار الحرب فحسب بل ترسيخ ثقافة الكراهية بين الأجيال لأن الحروب تنتهي باتفاقات سياسية، أما الأحقاد الطائفية فقد تحتاج إلى عقود حتى تزول، ولهذا فإن مسؤولية النخب السياسية والإعلامية والدينية اليوم هي حماية المجتمع من خطاب التحريض وإعلاء قيم المواطنة وتجريم كل دعوة تحاول تحويل الاختلاف المذهبي إلى صراع وجودي.

إن أمن المنطقة لن يتحقق إلا بوجود دول وطنية قوية تحتكر السلاح وتفرض سيادة القانون وتمنع قيام الميليشيات المرتبطة بأي مشروع خارجي، كما أن مواجهة التدخلات الإقليمية لا تكون بإثارة الطائفية المضادة، وإنما ببناء دولة عادلة تستوعب جميع مواطنيها تحت مظلة الدستور والقانون.

لقد علمتنا تجارب العقود الماضية أن الطائفية لا تصنع نصرًا بل تصنع أوطانًا منهكة وشعوبًا ممزقة وأجيالًا تحمل إرثًا من الكراهية يصعب التخلص منه، ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست بين مذهب وآخر بل بين مشروع الدولة الوطنية ومشروع الفوضى، وبين ثقافة المواطنة وثقافة الانقسام، وفي هذه المعركة لا يملك اليمن ترف الوقوف على الحياد لأن ثمن الخطأ سيكون مستقبل وطن بأكمله.