في مسيرتي ككاتب، جرت العادة في مقالاتي عبر الصحف المتعددة أن أنأى بنفسي كلياً عن الشأن العام ومتاهات (السياسة) بدهاليزها، بل كنت دائماً من أنصار مبدأ (أبعدني عن السياسة والتحدث بشأنها)، إيماناً بأن هناك مساحات أخرى للكتابة. واليوم، أتوجه بحديثي هذا خصوصاً إلى كل من كان يتفق معي في هذا المبدأ؛ أتوجه إليهم ليعذروا حبري الذي تمرد على قناعاته السابقة، فما نعيشه اليوم من عزة ورفعة لم يترك مكاناً للحياد أو الصمت. ولشدة فرحي وعظيم اعتزازي بوطني وقيادتي، بحثت عن قوالب تعبر عن هذا الفيض الوجداني، ولأنني لست شاعراً يطوع القوافي ولا ممن يتذوقون الشعر العاطفي، وجدتني أستل الشجاعة من شجاعة قادتي لأكتب بالنثر ما يعجز عنه بليغ النظم. وإن كان التعبير عن الفخر ببلادي والاعتزاز بقيادتي الشجاعة يُعد سياسة، فمرحباً بهذه السياسة التي تصنع الكرامة.
ولكن، حتى لا يظن الأعداء أن الوهن قد تمكن من الجسد العربي، وأن الساحة باتت مستباحة للمارقين، قررت القيادة السعودية الحكيمة بشجاعتها العربية الأصيلة أن تعيد صياغة القواميس السياسية والعسكرية، وتغير قواعد اللعبة برمتها؛ لإيصال رسالة واضحة وجلية إلى طهران وقادتها، رسالة مفادها أننا «السعودية العظمى»، وحينما نقول إننا نحتفظ بحق الرد، فنحن لا نؤجله ضعفاً ولا نهمله عجزاً، بل نترجمه واقعاً ملموساً يراه العدو رأي العين بالزمان والمكان اللذين نحددهما نحن لا هم. فليفهم قادة طهران وأدواتهم أننا لا نمارس السياسة للاستهلاك الإعلامي، ولا نبيع الأوهام للشعوب على غرار حليفهم المخلوع بشار الأسد ووالده المقبور من قبله، الذي لم يجرؤ يوماً على ردّ اعتداء واحد طال عاصمته، بل آثر الهروب متناسياً بالضرورة أن الأسود الحقيقية تواجه الموت المحقق ولا تفر كالجرذان.
وحين تجرأ النظام الإيراني وأدواته التخريبية على تكرار عدوانهم السافر والمستمر على منشآتنا وسيادتنا، لم تنظر القيادة السعودية الحكيمة إلى حسابات القوى العظمى، ولم تنتظر إذنًا من شرق أو غرب، بل جاء الرد حازماً ومزلزلاً عبر طائراتنا المقاتلة وطيارينا البواسل الذين انطلقوا كالصواعق ليدكوا مواقع هامة وحساسة للتنظيمات الإرهابية المارقة.
استهدفت هذه الضربات النوعية معاقل تلك المليشيات التي تعمل كجيوش موازية خارجة عن القانون، مثل تنظيمات «الحشد الشعبي» في العراق، والتي لا يخفى على أي مطلع بالشأن السياسي أنها لا تمثّل بغداد ولا تمتثل لأوامر الحكومة العراقية النظامية، بل تتصرف كأداة طيعة وذراع تخريبي يتلقى الأوامر مباشرة من سادتهم بالخارج. وبضرب هذه الأوكار، أعلنت المملكة للعالم أجمع أن أمننا والخليج خط أحمر يُكتب بالنار والبارود، لا بالحبر والبيانات الدبلوماسية الباردة.
هذا الحسم العسكري والسياسي الفريد لم يكن ليتجلى لولا وجود قيادة استثنائية فريدة؛ قيادة «هل العوجا» الشجعان الكرام، التي تستقي فكرها الإستراتيجي ورصانتها من رجل دولة بحجم وقامة سيدي ومولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله-. هذه الشخصية الفذة التي لا يختلف اثنان على أنها تمثل أبهى صور «رجل الدولة» الحقيقي، شخصية يغلب عليها العمل الدؤوب الجاد، والعزم الصادق للارتقاء بالوطن وأبنائه في المجالات كافة، وعلى مختلف الأصعدة وفي جميع المحافل الدولية. إنه القائد الحازم، شديد البأس، الذي يحمل جينات المجد والأنفة فهو ابن المؤسس المغفور له صقر الجزيرة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل.
ومعه وإلى جانبه، يقف القائد الطموح، الشاب الذي تعانق طموحاته وأحلامه أعنان السماء، سمو سيدي ولي العهد الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله-؛ هذا القائد الذي نرى مشاريعه ورؤاه تتحقق شيئاً فشيئاً على أرض الواقع بوقع زمني متسارع ومذهل، كونه قائداً يسابق الزمن بالنهار والليل لينهض بالوطن في كافة المجالات التنموية والعسكرية، واضعاً المملكة العربية السعودية في مصاف الدول العظمى التي تصنع الحدث ولا تنتظره.
لقد ولى زمن العمالة والقبول بالمهانة، وبزغ فجر سعودي خليجي جديد عنوانه الفخر، والرد المماثل، وكسر غطرسة المعتدين مهما كان حجم الدعم الدولي الذي يحتمون خلفه. ويقف المواطن اليوم شامخ الرأس، معتزاً بوطنه وقادته الأبطال وبجنوده البواسل في الثغور والأجواء، الذين جعلوا من هيبة السعودي عنواناً ثابتاً وفرضاً راسخاً في كل محفل ودول العالم أجمع.
عاش الوطن عزيزاً منيعاً، ودامت راية التوحيد خفاقة تحت ظل قيادتنا الحكيمة ؛ أكرر مرة أخرى (بيض الله وجهك يبو سلمان وشكراً مرة أخرى نيابة عن الشعب السعودي كافة).