في السادس عشر من مارس الماضي، وبالضبط يوم الإثنين، أفردت صحيفة «فرانكفورتر ألگيماينه» Frankfurter Allgemeine Zeitung صفحة تأبينية كاملة في ركن «Feuilleton» لوداع فيلسوف العصر الحالي يورغن هابرماس.

ثمانية كتّاب، من فيلسوف أمريكي إلى مؤرخة ألمانية إلى مخرج سينمائي، كتب كل منهم من زاويته. ومع ذلك تخرج من الصفحة بصورة واحدة:

1. «معارك خاسرة» هابرماس واليسار (تانيا مارتيني)


2. «تفاؤله العنيد» الفكرة والشخص (توماس ناغل)

للآخرين.

3. «كنا في حاجة إليه الآن» في زمن مقلق (ألكسندر كلوغه)

4. «يتامى دفعة واحدة» ما يقتات عليه التلاميذ (أكسل هونيت)

5. «نموذج فرويد» هابرماس والتحليل النفسي (كريستيان غاير)

6. «لا من دون بلاغة مصقولة» دفاعا عن روح العصر اليسارية الليبرالية (أوته فريفرت)

7. «مسوحات في فضاء الأسباب» رجل الأدوار والسجلات المتعددة (كريستوف مولرز)

8. «معرفة بالحدود» حديث أخير عن الأمور الأخيرة، وعن السياسة رغم كل شيء (فريدريش فيلهلم غراف).

رجل أنفق عمره في الدفاع عن فكرة تبدو، لأول وهلة، ساذجة.

الفكرة أن البشر يستطيعون إقناع بعضهم بعضاً بالأسباب، وأن هذا أفضل ما فيهم.

صاغها في عبارة لازمته: «الإكراه غير القسري للحجة الأفضل». والتناقض فيها مقصود؛ فالحجة الجيدة تُلزمك فعلا، إذ لا تستطيع، بعد أن تسمع دليلا قاطعا، أن تتظاهر أمام نفسك بأنك لم تسمعه. لكنها لا تلزمك بالقوة: لا سلاح فيها ولا سلطة ولا مال. هي القوة الوحيدة التي لا تذل من خضع لها، لأنها تجعله شريكا في الحقيقة لا مهزوما أمامها.

سبعون عاما من العمل، وسؤال واحد يتشعّب منها: ما الشروط التي تجعل هذا الكلام ممكنا بين الناس؟ لا الكلام الذي يخبئ مصلحة، ولا الذي يفرض نفسه بالصوت الأعلى، ولا الدعاية حين تلبس ثوب الحقيقة.

والطريف أن النموذج الذي أضاء له الطريق لم يكن كتابا، بل جلسة تحليل نفسي. حضر محاضرات عن فرويد في فرانكفورت صيف 1956، وهو في الثامنة والعشرين، وقال عنها إنها كانت له أشبه بالوحي. ما رآه هناك بسيط وعميق:

إنسان يتألم من شيء لا يعرف ما هو، ولا دواء ولا أمر، بل حديث فقط؛ ومن الحديث وحده يصير الخفي ظاهرا. اللغة إذن ليست أنبوبا تمر فيه المعلومات، بل المكان الذي يتحرر فيه العقل من أوهامه.

خاض هذا المؤمن بالحوار معارك لا تحصى، وكانت كل معركة دفاعا عن الحوار نفسه من جهة مختلفة.

حين دعا الطلاب الثوريون سنة 1967 إلى الفعل المباشر، رماهم بتهمة «الفاشية اليسارية»، فالمطالب العادلة، إذا استعجلت واستهانت بالإقناع، تنتهي إلى نقيضها. وحين قال له فوكو إن كلامه عن الحوار الحر وهمٌ لطيف، لم يتزحزح: نعم، التنوير أنتج كوارث، لكن الجواب أن نكمله لا أن نتركه.

الحداثة عنده «مشروع غير مكتمل»، وهي أشهر عباراته. وحين حاول تيار محافظ في الثمانينيات تطبيع الماضي النازي، أشعل «خلاف المؤرخين».

مفتاح ذلك كله في سطر واحد: هابرماس ابن جيل شباب هتلر، الجيل الذي رأى بعينيه كيف يستسلم مجتمع متعلم بأكمله لإغراء شمولي. ومن رأى ذلك صبيا لا يثق بعدها بأي يقين يرفض النقاش، من أي جهة أتى.

على أن الصفحة لا تتركنا مع تمثال. كان يضحك ضحكة مجلجلة حين يضبط تلميذا متلبسا بحيلة فلسفية صغيرة. وتروي المؤرخة أوته فريفرت أنه في أمسية بجامعة ييل أجاب على وابل من الأسئلة بهدوء ولطف، والتهم في الوقت نفسه أطباقه الثلاثة واستمتع بها بوضوح.

وقال في أحد لقاءاته الأخيرة، وهو يومها أشهر فيلسوف حي في العالم، إن زوجته أوته كانت أفضل منه بكثير في قراءة البشر، وإنه لولاها ما استطاع. ولمّا رحلت سنة 2025، بعد سبعين عاما من حياة مشتركة، سحبت الأرض من تحته، ولحق بها بعد شهور.

ليس في الصفحة نبرة انتصار. كل كاتب يشير، بطريقته، إلى أن الرجل مات ونظريته محاصرة.

يكتب ألكسندر كلوغه أقصر النصوص وأثقلها: العالم ممزق، وثمة روحانية معتمة تتجمع تحت اسم «التنوير المظلم»، تقلب الاسم على عقبه وتعلن القطيعة مع فكرة المساواة نفسها. ويقول أكسل هونيت، أقرب تلاميذه، إنهم صاروا فجأة «بلا أب».

ثم تنقلب الصفحة على نفسها. يسأل كريستوف مولرز: أليس العكس هو الصحيح؟ أليس عالم اليوم، لا الجمهورية الألمانية القديمة الهادئة، هو الأحوج إلى العقلانية التواصلية؟ نظرية تشرح كيف يتفق الناس دون أن يقهر بعضهم بعضا لا تصير عتيقة حين يكثر القهر، بل تصير عاجلة. ويضيف أنه حين قيل لهابرماس إن التشاؤم صار شكلاً من أشكال كسل التفكير، ضحك.

ولعل هذا أبقى ما يتركه لقارئ لن يفتح ألف صفحة من نظرية الفعل التواصلي: أن تسأل نفسك، كلما اختلفت مع أحد، هل تحاول إقناعه أم إسكاته، فالفرق بينهما هو الفرق بين الديمقراطية وما عداها، سواء وقع بين دولتين أو على مائدة عشاء. وأن لا شيء يعفيك من الحجة، لا كونك على حق ولا نبل قضيتك ولا ضيق الوقت.

رجل عاش قرنا تقريبا، ورأى الفاشية في صباه والحرب الباردة في شبابه وتفكك اليقينيات في شيخوخته، ثم رفض في آخر أيامه أن يمنح التشاؤم شرف أن يكون موقفا. راهن حياته كلها على أن الكلام بين البشر يمكن أن يكون أكثر من ضجيج. والرهان لم يحسم بعد.