تكمن المشكلة عندما تصبح بعض الحقوق أو الإجراءات التنظيمية تُقدَّم للموظف وكأنها معروف شخصي، لا ممارسة تستند إلى سياسة واضحة. عندها لا يشعر الموظف بأنه يمارس حقًا تنظمه المؤسسة، بل بأنه تلقى»مجاملة«ينبغي أن يقابلها بالصمت أو الامتنان أو تجنب الاختلاف.
قد يعترض البعض على هذه الفكرة، ويرى أن المدير لا يتمنن، وإنما يذكّر فريقه بأنه كان متعاونًا معهم، خصوصًا إذا شعر بأن هذا التعاون لم يُقدَّر. كما أن بعض المواقف ليست حقوقًا أصلًا، بل صلاحيات تقديرية يملكها المدير وفق احتياجات العمل.
وهذا اعتراض مشروع، ويستحق التمييز. فالمقال لا يتحدث عن الاستثناءات التي يحق للمدير قبولها أو رفضها، بل عن الحالات التي تكون فيها الإجراءات أو الحقوق معروفة ومحددة داخل المؤسسة، ثم تُقدَّم بطريقة تجعلها تبدو منحة شخصية مرتبطة بالقائد أكثر من ارتباطها بالنظام.
تشير أبحاث العدالة التنظيمية إلى أن الموظفين لا يقيمون العدالة بناءً على النتيجة فقط، بل أيضًا على وضوح الإجراءات واتساق تطبيقها. كما توضح دراسات السلامة النفسية أن الموظف يكون أكثر استعدادًا للمبادرة وطرح الأفكار عندما يشعر بأن التعبير عن رأيه أو طلب حقه لن يؤثر في علاقته بقائده.
ولهذا، فإن القيادة لا تُقاس بحجم المرونة التي يمنحها القائد، بل بالطريقة التي يمارس بها تلك المرونة. فالقائد الذي يربط الحقوق بالأشخاص يخلق ولاء للأفراد، أما القائد الذي يربطها بالأنظمة فيبني ثقة بالمؤسسة.
فالفرق بين القيادة الحقيقية والقيادة القائمة على الامتنان ليس في عدد المرات التي يقول فيها المدير: "أنا متعاون معكم"،
بل في عدد المرات التي يشعر فيها الموظف أن حقوقه محفوظة، سواء تغيّر المدير أم بقي. فالمؤسسات المستدامة لا تُبنى على شعور الموظفين بأنهم مدينون لقادتهم، وإنما على يقينهم بأن العدالة لا تعتمد على الأشخاص، بل على نظام يحمي الجميع.