ليست صنعاء التي نعرفها، وليس اليمن الذي حلمنا به. ما يحدث اليوم في مناطق سيطرة الحوثيين ليس مجرد حكم أمر واقع فرضته الحرب، بل منظومة قمع متكاملة لإسكات اليمني داخل بيته، وتحويل معاناته إلى سلاح سياسي موجه للخارج.

الحوثي لا يحكم بالشرعية ولا بالخدمات، بل بالقبضة الأمنية والإعلامية. أول أهدافه كان ولا يزال: الناشط، والصحفي، وصاحب الكلمة الحرة. خلال السنوات الماضية، تحولت صنعاء وعمران وذمار وصعدة إلى مقبرة مفتوحة للصحافة. عشرات الإعلاميين والناشطين إما في السجون بتهم جاهزة مثل «العمالة والارتزاق»، أو مختفون قسراً، أو فارون يعيشون تحت التهديد، أو صامتون قسراً بعد أن أغلقت صحفهم وصودرت صفحاتهم.

لماذا هذا الرعب من كلمة؟ لأن الحوثي يدرك أن شرعيته المزعومة هشة، وأن روايته لا تصمد أمام صورة طفل جائع أو موظف بلا راتب منذ سنوات.


وهنا تأتي اللعبة الأخطر: السيطرة على الخطاب وتوجيهه.

الحوثي لا يريد لليمني أن يسأل: أين الراتب؟ أين الغاز؟ لماذا تموت المستشفيات؟ لماذا تُنهب إيرادات الميناء والضرائب والجمارك والاتصالات وتذهب للمجهود الحربي؟

يريد أن يكون سؤال اليمني الوحيد هو: ماذا فعلت السعودية؟ وماذا فعلت الحكومة الشرعية؟

لذلك جند كل إمكانياته الإعلامية- القنوات التي نهبها، والإذاعات التي صادرها، وجيوش الذباب الإلكتروني، ومشرفيه في المساجد والمدارس- لصناعة عدو خارجي دائم. كل أزمة داخلية يعلقها على «العدوان»، وكل فشل إداري يبرره بـ«الحصار»، وكل صرخة جوع يرد عليها بـ«اصبروا فأنتم في معركة مقدسة ضد السعودية وأدواتها».

بهذه الطريقة، يحول المواطن المقهور من ضحية لسلطته إلى وقود لخطابه. يجوعه ثم يقول له: من جوعك هي السعودية. يقطع راتبه ثم يقول له: من قطع راتبك هي الشرعية التي نهبت البنك. وهي رواية لم تعد تنطلي على أحد في الداخل، لكنه يفرضها بالقوة.

أما من يرفض هذه الرواية، ومن يجرؤ على كسر جدار الصمت ويقول الحقيقة البسيطة «الشعب جاوع».. فمصيره معروف.

رأينا كيف تم اعتقال ناشطين لمجرد أنهم صوروا طوابير الغاز، وكيف سُجن صحفيون لأنهم كتبوا عن فساد مشرف حوثي، وكيف تم اقتحام منازل شباب لأنهم بثوا فيديو على تيك توك يشكون فيه الغلاء. تهمة «إثارة الرأي العام» و«التحريض» أصبحت جاهزة لكل من يقول إن الناس لا تجد ما تأكل.

في سجون الحوثي اليوم، لا يوجد فقط مقاتلون معارضون، بل معلمون طالبوا برواتبهم، وطلاب كتبوا منشوراً على فيسبوك، وأمهات صرخن لأن أبناءهن ماتوا جوعاً أو تم تجنيدهم قسراً. يتم تعذيبهم وإهانتهم ليس لأنهم خطر عسكري، بل لأنهم خطر أخلاقي.. يكشفون زيف شعاراته.

المفارقة المؤلمة أن الحوثي الذي يملأ الدنيا صراخاً عن «معاناة اليمنيين» بسبب السعودية والشرعية، هو نفسه من يخنق اليمني إذا اشتكى من معاناته الحقيقية. هو يتاجر بجوع الشعب في المحافل الدولية، لكنه يسجن الشعب إذا قال أنا جائع في حارته.

معركة اليمن اليوم ليست فقط معركة استعادة دولة من ميليشيا، بل معركة استعادة صوت. صوت الناشط الذي يجب أن يعود، وصوت الصحفي الذي يجب أن يكتب دون خوف، وصوت المواطن البسيط الذي من حقه أن يصرخ «جاوع» دون أن يأتي طقم في منتصف الليل ليأخذه إلى مكان مجهول.

لا يمكن لأي سلام قادم أن يكون حقيقياً بينما السجون ممتلئة بأصحاب الكلمة، والمنابر مصادرة لخطاب واحد يوجه كل حقد اليمنيين نحو الخارج ليغطي على نهب الداخل.

سيظل الجوع هو الحقيقة التي لا يستطيع الحوثي اعتقالها. يستطيع أن يسجن الجائع، لكنه لا يستطيع أن يسجن الجوع نفسه.

* صحفي وكاتب يمني