تتوالى الأزمات على أوروبا من كل الاتجاهات، فيما تكشف التطورات المتسارعة أن القارة التي تمتلك أحد أكبر التكتلات الاقتصادية في العالم لا تزال تكافح لتحويل ثقلها الاقتصادي إلى قوة سياسية وأمنية مستقلة. ففي صيف واحد، وجدت الحكومات الأوروبية نفسها في مواجهة ارتدادات الحرب في إيران، وتداعيات حرب أوكرانيا، واضطراب الطاقة، وجفاف الأنهار، وحرائق الغابات، وضغوط الهجرة، ومنافسة التكنولوجيا والتجارة، لتتحول الأزمات المتزامنة إلى اختبار مباشر لقدرة الاتحاد الأوروبي على حماية مصالحه وصناعة قراراته.

صدمات الخارج

أظهرت تداعيات الحرب في إيران هشاشة موقع أوروبا أمام الأزمات الجيوسياسية الكبرى. فاضطراب الملاحة في مضيق هرمز انعكس سريعًا على أسعار الطاقة والوقود والغذاء، ورفع كلفة التجارة والنقل في اقتصادات تعتمد بدرجة كبيرة على استقرار الأسواق العالمية. وبينما أعلنت دول أوروبية استعدادها للمساهمة في تأمين الملاحة بعد انتهاء القتال، بقي التحرك الأوروبي الفعلي محدودًا أمام استمرار المواجهات، بما يعيد طرح السؤال القديم حول مدى قدرة القارة على الاستقلال أمنيًا عن الولايات المتحدة.


وفي أوكرانيا، لم يكن المشهد أكثر اختلافًا. فقد أنفقت الدول الأوروبية موارد ضخمة لدعم كييف، وفرضت عقوبات واسعة على موسكو، واستقبلت ملايين اللاجئين، ثم سعت إلى تشكيل «تحالف الراغبين» لحماية المصالح الأوروبية في أي تسوية للحرب. لكن استمرار واشنطن في إدارة اتصالاتها مع موسكو وكييف بصورة منفصلة أظهر أن أوروبا، رغم انخراطها المباشر في كلفة الحرب، لا تزال عاجزة عن امتلاك زمام مسارها السياسي.

المناخ يضرب

وبينما تأتي بعض الضغوط من خارج القارة، يضرب المناخ قلب الاقتصاد الأوروبي من الداخل. فقد أدى الجفاف وموجات الحر وحرائق الغابات إلى تراجع مستويات المياه في الأنهار الرئيسية، وعلى رأسها الراين، الذي يمثل أحد أهم ممرات التجارة والصناعة الأوروبية.

وتراجعت قدرة السفن على نقل حمولاتها، ما دفع الشركات إلى استخدام الطرق البرية والسكك الحديدية، ورفع كلفة نقل السلع والطاقة، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الأوروبي أصلا تباطؤًا في النمو. ولم يعد الجفاف قضية بيئية، بل تحول إلى عامل يهدد الإنتاج الصناعي وأمن الطاقة واستقرار سلاسل الإمداد.

الهجرة تضغط

وتعيد أزمة الهجرة اختبار تماسك الاتحاد الأوروبي، مع تدفقات المهاجرين إلى سبتة وتجدد الخلافات بشأن حماية الحدود وتقاسم المسؤوليات. وبينما تمكنت السلطات الإسبانية من احتواء الأزمة، كشفت التطورات هشاشة التضامن الأوروبي، ومنحت اليمين المتطرف مساحة جديدة لتوسيع نفوذه عبر ملفات الأمن والهوية والهجرة.

سباق يتسع

ولا تقف الضغوط عند الأمن والمناخ والهجرة، إذ تواجه أوروبا سباقًا عالميًا على الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، تقوده الولايات المتحدة والصين، بالتوازي مع احتدام المنافسة التجارية مع الطرفين. وبين ضعف القدرة على مجاراة التحول التكنولوجي وضغوط الرسوم والأسواق، تتعرض القدرة التنافسية الأوروبية لاختبار جديد.

لحظة الحسم

تكشف هذه الأزمات مجتمعة مأزقًا يتجاوز كل أزمة منفردة: أوروبا تملك القوة الاقتصادية، لكنها لا تزال تبحث عن القوة السياسية التي توحد قرارها، والقوة العسكرية التي تحمي مصالحها، والقدرة التكنولوجية التي تمنحها استقلالا في اقتصاد المستقبل.

ولذلك تبدو القارة أمام لحظة حسم؛ فإما أن تحول صدمات هذا الصيف إلى نقطة انطلاق لبناء قوة أوروبية أكثر تماسكًا واستقلالا، أو تبقى رهينة أزمات يحدد الآخرون مساراتها، بينما تتحمل أوروبا الجزء الأكبر من كلفتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.